شَارِك المَقَال

تعتبر المشكلة الاقتصادية جوهر علم الاقتصاد ونواته. فكل نظريات الاقتصاد من نظرية العرض والطلب وسلوك المستهلك والاستثمار والاستهلاك والادخار وغيرها جاءت بهدف المساهمة في إيجاد حلٍ لهذه المشكلة. إلا أنه وعلى ما يبدو فإن سلوك الناس أفراداً وجماعات يتناقض مع جهود علم الاقتصاد وحتى مع المبادئ الاجتماعية والأخلاقية. فما سبب هذا الاختلاف؟ وما آثاره؟

 

المشكلة الاقتصادية بين النظم الاقتصادية المختلفة

في الحقيقة تنص المشكلة الاقتصادية وفق المفهوم الرأسمالي لها على أنه لا يمكن للموارد المحدودة تلبية الحاجات غير المحدودة للبشر. فوفقاً للمفهوم الرأسمالي فإن الموارد الطبيعية الموجودة لا تكفي لسد كل حاجات البشر لذلك لا بد من إشباع حاجات محددة وتجاهل الأخرى. أو أن يتم إشباع كل الحاجات ولكن بشكل جزئي.

غير أن النظرة الإسلامية للمشكلة الاقتصادية تختلف عن الاقتصاد الرأسمالي. فللاقتصاد الإسلامي وجهة نظر خاصة بها إذ هو يعترف بها ولا ينكرها. فهو يقر بأن الموارد لا تكفي لإشباع كل حاجات البشر ولكنه يختلف مع الاقتصاد الرأسمالي في سبب المشكلة. فسبب المشكلة من وجهة نظر الاقتصاد الإسلامي ليس قلة الموارد ولكن سوء إدارتها.

بالإضافة إلى ما سبق فإن الاختلاف يطال مفهوم الندرة. وهذا المفهوم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم المشكلة الاقتصادية. فالاقتصاد الرأسمالي يقول بأن سبب المشكلة الاقتصادية هو ندرة الموارد. بينما الاقتصاد الإسلامي يقول بأن الندرة ليست ندرة وجود ولكنها ندرة إدارة. فالموارد موجودة لكن سوء إدارتها يجعلها نادرة وغير متاحة.

بصورة شاملة يعتبر المفهوم الإسلامي للمشكلة الاقتصادية أدق من نظيره الرأسمالي. والدليل على هذا أن الموارد الزراعية والرعوية تزداد بزيادة البشر. فعندما كان عدد البشر بضعة ملايين كانت الموارد تكفيهم وعندما بلغ عدة مليارات ما زالت الموارد تكفيهم. فالموارد تزداد بزيادة البشر وذلك تصديقاً لقول الله جل جلاله: { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}.

إن الله -سبحانه وتعالى- قد تكفل بأرزاق الخلائق كلها. فالقضية إذاً قضية إدارة للموارد. فالندرة سوء إدارة وليس ندرة وجود. ولعل التساؤل الأبرز هنا: لِمَ يكثر عدد الفقراء والجوعى في العالم أجمع ومنه العالم الإسلامي. ولِمَ لا تكفي الموارد للبشر. فهل هذا خلل في المفهوم الإسلامي للمشكلة الاقتصادية أم أين الخلل بالتحديد؟

 

الموارد والجوع

تقول بعض الإحصاءات المهتمة بالأمن الغذائي في العالم: إن عدد الجائعين في العالم يتجاوز 630 مليون جائع. وهذه النسبة تشكل ما يقارب 9% من عدد سكان الأرض. ومن جهة أخرى تقول الأرقام أيضاً بأن الطعام المهدر سنوياً بلغ أرقاماً قياسية. فالطعام الملقى في القمامة سنوياً يبلغ أكثر من 931 مليون طن.

وتفيد الإحصائيات بأن هدر الطعام يتم على ثلاثة مستويات. المستوى الأهم هو الأسر. فالأسر تتلف سنوياً 569 مليون طن من الطعام. بينما المطاعم تتلف 244 مليون طن تتمثل ببقايا طعام الزبائن. بينما محال التجزئة تتلف 118 مليون طن كطعام انتهت مدة صلاحيته.

بحساب بسيط يمكن القول بأن الطعام التالف إذا تم توزيعه على الجائعين ستكون حصة كل جائع سنوياً 931 / 630 = 1.47 طن من الطعام. وستكون حصة اليوم الواحد 1.47 / 365 = 4 كغ من الطعام. فأربع كيلو غرام من الطعام كافية لإشباع أي شخص يومياً وحتى إيصاله لحد التخمة.

 

شهر رمضان الكريم والمشكلة الاقتصادية

شهر رمضان هو شهر العبادة لدى المسلمين وشهر التقرب من الله رجاء مغفرة الذنوب بالإضافة إلى الإحساس بالفقير والجائع. إلا أن بعض السلوكيات في هذا الشهر الفضيل من شأنها تعزيز المشكلة الاقتصادية. فهدر الطعام يبلغ ذروته على موائد الإفطار. مع أن سلوك النبي عليه الصلاة والسلام وصحبه الأبرار كان بعيداً كل البعد عن هدر الموارد.

بالكاد تخلو دولة إسلامية من أزمات فقر وجوع. فسوريا على سبيل المثال مهددة بالمجاعة بغالبية سكانها. ولعله وفي ظل هذا الواقع الأليم أن يكون إلقاء الطعام بالقمامة جريمة إنسانية ناهيك عن مخالفتها الشرعية.

انتشار وسائل التواصل الاجتماعي جعل من السهل مشاركة الناس تفاصيل خاصة عن حياتنا الأسرية والتي يفترض أن تكون خلف جدار الخصوصية. وفي هذا الشأن تجد العديد ممن يشاركون الناس صور موائد إفطارهم وعليها أصناف وأشكال قد لا يعرف الفقراء حتى أسماءها.

إن التفاخر بالإنفاق على الطعام بصفة عامة وفي شهر رمضان الفضيل على وجه الخصوص يعتبر أمراً سلبياً من جانبين. الأول هو هدر النعمة وتبذيرها وهو ما حرمه الإسلام. والثاني يتمثل في كسر خواطر الفقراء لا سيما أولئك الذين لا يكون إفطارهم إلا خبزاً. ناهيك عن أن في ذلك تعزيزاً للمشكلة الاقتصادية التي يسعى الاقتصاد الإسلامي لحلها.

يقول الإمام علي رضي الله عنه: “ما جاع فقيرٌ إلا بما مُتِّعَ به غنيٌّ”. فهذا القول دليل على صحة النظرة الإسلامية للمشكلة الاقتصادية. فالموارد والأرزاق مخلوقة بما يكفي الخلائق بلا زيادة أو نقصان. إلا أن سوء الإدارة يجعل الفقير يجوع بنفس المقدار الذي أتلفه الغني.

في النهاية لا بد من القول بأنه لا أثر حقيقي للاقتصاد إن لم يقترن بجانب أخلاقي. فالعلم بلا أخلاق لا يعدو أن يكون خصماً للإنسان لا نصير له. ولذلك يجب القول بأن الاقتصاد في شهر رمضان يعتبر تعزيزاً للعبادة وللتقوى فضلاً عن أثره الأخلاقي والاجتماعي وأثره على الاقتصاد السكاني.

شَارِك المَقَال



عن المقال


الأكثر قراءة خلال هذا الأسبوع