حول تراجع الليرة التركية

شَارِك المَقَال

افتُتحت أسواق البورصة الآسيوية صباح اليوم الاثنين 22 مارس 2021م على تراجع الليرة التركية تجاوز 17%. ليصل الدولار لأكثر من 8.4 ليرة. وتراجع هذا الانخفاض لاحقًا ليبلغ 9%، فما أسباب هذا التراجع المفاجئ؟


ظروف الليرة التركية

حققت الليرة التركية تحسنًا واضحًا في نهاية عام 2020م، واستمر في بداية 2021م، ليبلغ الدولار 6.9 ليرة. غير أن الليرة بدأت بخسارة مكاسبها بالتدريج، ليرتفع الدولار في شهر مارس ليصل إلى 7.3 ليرة. إلا أن التراجع الحاد والمفاجئ كان في افتتاح أسواق البورصة الآسيوية.

تقسم الأسباب المؤدية لتراجع الليرة التركية إلى أسباب داخلية، وأخرى خارجية. والأسباب الداخلية تشمل تغيير محافظ المصرف المركزي عدة مرات خلال عامين. وهذا يشير إلى عدم ثبات في السياسة النقدية. مما يثير قلق المستثمرين من تأثرهم بتبدل السياسات النقدية مع تغيير المحافظين.

كما تشمل هذا الأسباب سعي الحكومة التركية لترميم رصيدها من العملات الأجنبية. فبعد بدء الليرة في التحسن سابقًا بدأت الحكومة التركية بشراء الدولار من السوق التركية لترميم أرصدتها لا سيما أرصدة المركزي. ممّا أدى لزيادة الطلب على الدولار، وبالتالي ارتفعت قيمته أمام الليرة التركية.

رواج توقعات حول تغيير وزاري مرتقب في تركيا. وتشير بعض الأنباء إلى احتمال عودة بيرات البيرق إلى الحكومة كمستشار مالي للرئيس التركي. الأمر الذي يوحي بعودة السياسة المالية السابقة للحكومة التركية. وهو الأمر الذي أثار مخاوف المستثمرين. مما دفعهم لاستبدال الليرة التركية بالدولار.

تعتبر نية الحكومة التركية بحظر حزب الشعوب الديمقراطي المعارض من الأسباب التي تدفع المستثمرين للتخلي عن الليرة التركية. فهذا الأمر سيضر بصورة الديمقراطية في تركيا، وقد ينعكس على التعاطي الغربي مع تركيا. وبالتالي تأثر الاقتصاد التركي بشكل أو بآخر. وهذا الأمر يزيد من الضغوط على الليرة التركية مقابل الدولار.

يشكل انسحاب تركيا من اتفاقية إسطنبول المعنية بحماية حقوق المرأة من العوامل التي قد تزيد من التوتر التركي الأوروبي. مما قد ينعكس سلبًا على العلاقات الاقتصادية. وهذه الأمور تثير مخاوف كبار المستثمرين الأتراك والأجانب، فيقومون بالتخلي عن الليرة التركية خوفًا من تأثرهم السلبي بأي توتر مستقبلي محتمل.


الأسباب الخارجية لتراجع الليرة التركية

هذا فيما يتعلق بالأسباب الداخلية، أما الأسباب الخارجية فتعتبر الأهم. من أهم الأسباب الخارجية ارتفاع عوائد السندات الأمريكية، فقبل ارتفاع هذه العوائد جذبت الليرة التركية استثمارات خارجية كونها كانت تعد من أكثر عملات الدول النامية تحسنًا. إلا أن ارتفاع عوائد السندات الأمريكية أدى لتخلي كثير من المستثمرين بشكل مفاجئ عن الليرة التركية، مما أدى إلى تراجعها.

فيما يخص تخلي المستثمرين عن الليرة التركية بفعل ارتفاع عوائد السندات الأمريكية. تقول وكالة بلومبرغ بأن الأسابيع الأخيرة شهدت خروج 857 مليون دولار من بورصة إسطنبول. فتراجعت حصة الأجانب في البورصة إلى 45.5% وهي أقل نسبة منذ عام 2004م.

من الأسباب الخارجية: عدم وضوح أفق العلاقات التركية الأمريكية في عهد بايدن. كما أن بعض التحليلات تقول بأن إدارة البيت الأبيض تتجه للاعتراف بإبادة الأرمن. مما يدل على علاقة متوترة سياسيًا، وبالتالي تنعكس اقتصاديًّا. إضافة لاحتمال فرض عقوبات أمريكية جديدة على تركيا.

تقول بعض الأنباء بأن وساطات عدة اهتمت بتنظيم اتصال هاتفي بين أردوغان وبايدن، وجميعها باءت بالفشل. وهذا الأمر يدل على فتور حاد في العلاقات التركية الأمريكية، ما يدفع المستثمرين لتخفيض احتياطاتهم بالليرة التركية، مما يزيد من عرضها مقابل زيادة الطلب على الدولار.

إن زيادة عرض الليرة التركية وزيادة الطلب على الدولار في السوق التركي يشكل ضغطًا مزدوجًا على الاقتصاد التركي. وعلى ما يبدو فإن الحكومة التركية تستشعر هذه الضغوط فقامت بخطوة استباقية برفع سعر الفائدة. إلا أن هذه الخطوة ليست كافية، لا سيما أن الضغوط الخارجية ذات أثر أكبر من نظيرتها الداخلية.

إن بدء تراجع الليرة التركية من الأسواق الآسيوية يدل على وزن ترجيحي مرتفع للأسباب الخارجية مقابل تراجع نسبي للأسباب الداخلية. لذلك يمكن القول بأن علاج واقع الليرة التركية يعتبر مهمة سياسية في الدرجة الأولى واقتصادية في الدرجة الثانية. ويمكن القول بأن الليرة التركية الآن في مركز تلاقي قوى اقتصادية وسياسية محلية ودولية.


مستقبل الليرة التركية

من الصعب توقع مستقبل الليرة التركية في ظل الظروف الراهنة. فالجانب السياسي المحلي والإقليمي والعالمي يرخي بظلاله على الاقتصاد التركي عمومًا، وعلى الليرة التركية على وجه الخصوص. لذلك لا بد من قراءة معمقة للواقع السياسي الإقليمي والدولي لمعرفة اتجاه الليرة التركي على المدى المتوسط والبعيد.

وهنا لا يمكن إغفال تأثير رفع سعر الفائدة التركية قبل أيام قليلة. فرفع سعر الفائدة يعتبر عاملاً إيجابيًّا بالنسبة لليرة، على الرغم من آثاره السلبية على الاقتصاد في إطاره العام. لذلك من المتوقع في الساعات والأيام القليلة القادمة أن تعوض الليرة بعض خسائرها نتيجة رفع سعر الفائدة.

شَارِك المَقَال