ما عواقب تجميد الاحتياطات النقدية الروسية؟ وما أثرها على مستقبل الدولار الأمريكي؟

شَارِك المَقَال

في 26 فبراير الماضي أصدرت الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي وبعض الدول الغربية بياناً مشتركاً قد يغير خريطة الاقتصاد العالمي للأبد. حيث قررت هذه الدول تجميد احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية لروسيا رداً على الغزو الروسي لأوكرانيا. هذا القرار كان ضمن سلسلة عقوبات فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها. إلا أن تجميد هذه الاحتياطيات سبّب قلقاً عالمياً عاماً حول مصير أرصدة الدول المودَعة في البنوك الغربية. فعند أي خلاف سياسي قد يتم تجميد هذه الأرصدة. ولذلك فإن الخطوة الغربية كانت إيذاناً ببدء مرحلة اقتصادية جديدة. وإن كانت ملامحها ما زالت متواضعة وغير ظاهرة بشكل واضح. إلا أنها وخلال العقود القادمة قد تؤثر بشكل نسبي على مستقبل النظام النقدي السائد حالياً. والسؤال هنا: ما عواقب تجميد الاحتياطات النقدية الروسية؟ وما أثرها على مستقبل الدولار الأمريكي؟

 

ما فاعلية تجميد الأرصدة الروسية لدى الغرب؟

سعت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي من خلال حزمة العقوبات على روسيا إلى تكرار ذات الأثر الذي سببته العقوبات عام 2014م. حين ضمت روسيا شبه جزيرة القرم. وأدت العقوبات آنذاك لانهيار الروبل. ومع تصدير السعودية المزيد من النفط إلى السوق العالمية انخفضت أسعار النفط بشكل حاد لتتراجع الواردات الروسية من بيع النفط والغاز. ولذا دخل الاقتصاد الروسي في حالة ركود. لكن الوضع في 2022م كان مختلف تماماً عن عام 2014م. حيث كان النمو العالمي باهتاً. والاقتصاد العالمي ما زال يعاني من تبعات أزمة الإغلاق الاقتصادي عقب انتشار فيروس كورونا ومن تبعات أزمة سلاسل التوريد.

تزامناً مع تجاهل السعودية محاولات الرئيس الأمريكي تهدئة سعر النفط من خلال زيادة الإنتاج. كانت الفرصة سانحة للروبل الروسي للمقاومة. فارتفاع الإيرادات الروسية من بيع النفط والغاز. وفي ظل الحاجة الأوروبية الملحة لحوامل الطاقة الروسية. تمكنت موسكو من مقاومة العقوبات. وعلى الرغم من تأثرها الواضح إلا أن مدى وعمق التأثير كان أقل مما هو مخطّط له غربياً. وفي ظل ارتفاع الإيرادات الروسية تراجعت فاعلية القرار الغربي بتجميد الأصول الروسية. فالإيرادات المرتفعة تمكنت من تخفيف أثر التجميد.

 

ما أثر تجميد الأرصدة الروسية على مكانة الدولار الأمريكي؟

أثّر تجميد الاحتياطيات الروسية بشكل واضح على موثوقية ما يسمى بأصول الدرجة الأولى (الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية). وهو ما يعني ببساطة أن ما تدّخره الدول من احتياطي بالدولار الأمريكي لدى البنوك الغربية يمكن أن يتم تجميده بسهولة. وتفقده بمجرد قرار سياسي. وهذا ما دفع العديد من الدول لإعادة النظر بجدوى وفاعلية الاحتفاظ بالأصول لدى البنوك الغربية. أو الاحتفاظ بالأصول بالدولار الأمريكي. وهذا يعني تراجعاً في موثوقية الدولار الأمريكي عالمياً. فالصين تسعى لاستبدال احتياطاتها بالدولار إلى عملات أخرى أو إلى ذهب. وذلك خشية تجميدها غربياً في حال وجود عقوبات ضدها مستقبلاً.

إذا قررت الصين -على سبيل المثال- الاستيلاء على جزيرة تايوان. فيبدو من شبه المؤكد في هذه المرحلة أن الاحتياطيات الصينية سيتم تجميدها. لذلك فمن المتوقع ومن وحي التجربة الروسية ألا تقدم على هذه الخطوة قبل أن تضمن عدم تعرض احتياطاتها للتجميد. لذلك وفي حال قيام الصين بتحويل احتياطاتها من الدولار إلى الذهب. فهو سيشكل صدمة قوية للدولار.

على الرغم من التحديات الواضحة التي يواجهها الدولار. إلا أنها وحتى الآن لم ترقَ لتكون تهديدات حقيقية. فالدولار ما يزال -على الأقل في المدى المنظور- العملة الأهم في العالم على الإطلاق. وفي أفضل الأحوال قد نشهد صعود لعملات أخرى كاليوان الصيني وغيره من العملات. لكن هذا الصعود لن يتمكن من التأثير الحقيقي على مكانة الدولار. فهو مستند على القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية للولايات المتحدة. ولكن خلال العقود القليلة القادمة قد تشهد مكانة الدولار تراجعاً حقيقياً. إلا أن هذا الأمر لا يمكن الجزم به. فهو مرهون باستقرار أو تغيّر الخرائط الجيوسياسية المسيطرة على العالم.

 

شَارِك المَقَال



عن المقال


الأكثر قراءة خلال هذا الأسبوع