في ربيع 1914، جلس ولي عهد النمسا في سيارة مفتوحة تعبر شوارع سراييفو. بدا اليوم وكأنه يوم عادي رغم التوتر السياسي في البلقان. بعد دقائق، سمع الناس صوت الرصاص، وسقط الأمير قتيلًا، وفُتحت بذلك بوابة الجحيم، وبدأ فصل جديد من تاريخ البشرية: الحرب العالمية الأولى.
لم يكن أحد يتوقع أن تقود حادثة الاغتيال إلى مقتل أكثر من 21 مليون إنسان، وتُعيد رسم خريطة أوروبا والعالم. ربما الأهم من ذلك أن تلك الحرب لم تكن نهايةً للعنف، بل كانت مقدّمةً لتاريخ حافل بالحروب والصراعات.
ظاهرة اجتماعية وسياسية متجذرة في التاريخ
اليوم، وبعد أكثر من قرن، لا يزال السؤال: هل الحرب إلى زوال؟ أم أننا فقط نعيش مرحلة الهدنة بين حربين؟ الحرب، كما يُوضّحها الدكتور أحمد أبو زيد في كتابه “هل الحرب إلى زوال؟” هي ليست مجرد صراع بين جيوش، بل هي ظاهرة اجتماعية وسياسية متجذرة في التاريخ.
المجتمعات الزراعية الأولى، حين بدأت بتكوين مخازن الحبوب وتراكم الثروات، كانت أول مَن احتاج إلى الحماية، ثم الهجوم. من الدفاع، وُلِدَ الهجوم، ومن الحاجة إلى الموارد، وُلِدَت الغزوات. هكذا تشرح النظرية الماركسية في العلاقات الدولية كيف أن الحرب مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتوزيع غير العادل للثروات، وبالرغبة المستمرة في السيطرة.
في هذا السياق، تأتي قصة الحرب العالمية الثانية، التي لم تكن صراعًا بين الديمقراطية والفاشية كما يُروَّج لها، بل هي كما يعرضها الكتاب “صراع إمبريالي جديد”؛ فالولايات المتحدة وألمانيا، بحسب النظرة الماركسية، لم يكن الصراع بينهما على الأخلاق، بل كان على وراثة إمبراطوريات آيلة للسقوط.
والحرب الباردة التي تبعتها لم تكن إلا استمرارًا لهذا الصراع، لكن بأساليب أكثر دهاءً: دعم انقلابات، حروب بالوكالة، سباق تسلح، تدخلات في الشؤون الداخلية للدول، فهي إذن صراع على المراكز العالمية بين مختلف الأطراف وبمختلف الطرق.
معدلات الحروب: أرقام وإحصاءات
بالحديث عن معدلات الحروب، يتناول الكاتب مشروع “روابط الحرب”، والذي رصَد 655 حربًا في الفترة ما بين 1816م وحتى 2007م، بمعدل يزيد عن ثلاث حروب في السنة. ما يعني أن الحرب ليست استثناءً، بل هي القاعدة.
صمت دولي وعجز أخلاقي
هذا الرقم يشبه العالم الذي نعيشه اليوم. وإلا كيف نُفسِّر ما حدث في سوريا؟ بلد كان يضجّ بالحياة، صار مسرحًا لصراع دموي منذ 2011م، الحرب هناك، -كما يذكر الكتاب-، كانت الأسوأ عالميًّا، تسبَّبت في فقدان مئات الآلاف وتشريد الملايين، وكلّ ذلك ترافق مع صمت دولي وعجز أخلاقي، سجَّلت هذه الحرب أكثر من نصف ضحايا الصراعات المسلحة في العالم، مع العلم أن 90% منهم كانوا من المدنيين.
الأمر لا يقتصر على سوريا وحدها. عشرات الدول تعاني من “الحرب”: السودان، الكونغو، كولومبيا، اليمن، ليبيا، أوكرانيا، وغيرها. كلها أمثلة حية على أن الحروب الحديثة ليست بالضرورة حروبًا تقليديةً بين جيوش، بل هي حروب أهلية، صراع بالوكالة، حروب موارد وهوية.
حروب موارد وهوية
في السودان، على سبيل المثال، تكررت الحلقة نفسها منذ عقود: انقلابات، تمردات، جيوش موازية، ودائمًا الشعب هو الخاسر. تمامًا كما يصف الكتاب نمط الحروب في “دول الجنوب العالمي”؛ الحرب ليست أمرًا طارئًا، بل هي نمط وشكل من أشكال الحياة.
التيارات الليبرالية حاولت أن تُروِّج لأمل كبير: على أمل أن الديمقراطية تقتل الحروب، وأن الدول التي تحترم التعددية والحقوق لا يمكن أن تعيش الحروب مع بعضها البعض. لكنّ الواقع الحديث يُكذِّب هذه الفرضية. الولايات المتحدة، راعية الديمقراطية كما تدَّعي، قادت بنفسها غزو العراق عام 2003. وها هي إسرائيل اليوم، تكرر النموذج في غزة: تدمير شامل، عقاب جماعي، دون مساءلة حقيقية. فهل انتهت الإمبريالية؟ أم تقمَّصت ثوبًا جديدًا؟
الفجوة الكبيرة بين الخطاب والممارسة
الأخطر في النظام الدولي الراهن، هو الفجوة الكبيرة بين الخطاب والممارسة. تيارات الواقعية السياسية مثلًا، ترى أن الصراع أمر حتمي في نظام دولي فوضوي؛ حيث إنه لا توجد سلطة عليا تمنع الدول من التصرف بعدوانية.
هذه النظرة تُفسِّر كثيرًا مما نراه اليوم من سباقات تسلُّح، مثل الذي يحدث بين الصين وأمريكا في بحر الصين الجنوبي، أو بين الهند وباكستان في كشمير. كل دولة تشعر أن أمنها مُهدَّد تبادر للتسلح، وهنا يدخل الجميع في حلقة مفرغة من الرعب، وهذا ما يُعرَف بـ”تأثير الملكة الحمراء”: إن أردت الحفاظ على بقائك ووجودك عليك أن تتكيَّف دائمًا.
هذا المصطلح مقتبس من قصة “أليس في بلاد العجائب”، وشخصية الملكة الحمراء في القصة تقول: “عليك أن تركض بأقصى ما تستطيع فقط لتبقى في مكانك”، إذا أسقطنا هذه المقولة على العلاقات الدولية نجدها من خلال إنفاق الدول المتنافسة الكثير من الموارد على سباق التسلح، والهدف التفوق على الخصم، لكن في النهاية، وعلى الرغم من تطوُّر كلا المتنافسين؛ إلا أن القوة تبقى متساوية، ما يعني الدخول في حلقة لا نهائية من سباق التسلح، وهذا الشيء كان واضحًا جدًّا في الصراع الأمريكي السوفييتي خلال الحرب الباردة.
تطور مفهوم الحرب في العلاقات الدولية
التيارات النقدية -بحسب وصف الكتاب- تذهب أبعد من ذلك؛ حيث ترى أن الخطاب نفسه منحاز، وأن تعريف الحرب في العلاقات الدولية غالبًا ما يُهمِّش دور الضحايا، لا سيما من النساء والأطفال والمجتمعات الضعيفة؛ يعتمد هذا الخطاب على عدم المساواة الهيكلية الموجودة في النظام الدولي. وتطرح هذه التيارات سؤالًا مؤلمًا: لماذا لا تُعدّ الجرائم اليومية ضد المدنيين في فلسطين أو الروهينجا أو أفغانستان حروبًا بمعنى الكلمة؟ لماذا يُعْرَف العنف فقط عندما يمسّ دول الشمال الغني؟
رغم كل هذا، لا يمكن نفي وجود تحوُّلات مهمة؛ فالحروب بين الدول أصبحت نادرةً. فالردع النووي، العلاقات الاقتصادية، منظومات القانون الدولي -رغم ضعفها-، كلها عوامل قلَّلت من احتمالات اندلاع حرب عالمية كبرى.
السلام لا يمكن أن يُشكِّل واقعًا حقيقيًّا وحده، فالحروب تغيَّرت بالشكل لا بالمضمون؛ انتقلت من الخنادق إلى الطائرات المسيرة، ومن الجيوش إلى الميليشيات، ومن الاحتلال المباشر إلى السيطرة الاقتصادية والعقوبات.
خلاصة الأمر: لا يبدو أن الحرب إلى زوال، بل هي تتطور وتتبدل، تتحايل على القوانين، وتجد دائمًا مَن يُبرّرها. طالما بقيت المصالح متضاربة، والعدالة غائبة، والقانون رهينة الأقوياء، ستبقى الحرب جزءًا من المشهد. المتغير الوحيد أننا أصبحنا نُخْدَع أكثر ونَحْزن أقلّ.