عام 1939 بدأتْ الحربْ العالمية الثانية، الاتحاد السوفييتي في البداية لم يكن طرفًا فيها، بالرغم من التنافُسْ اللي كان بينه وبين ألمانيا، الا ان العداوة بقيتْ سِرِّيَّةْ ولم تخرج للعلنْ، والمفارقة أنو موسكو كانت في بداية الحربْ تُزَوِّدْ برلين بالحديدْ اللازمْ لصناعةْ السلاحْ، وألمانيا كانت عمبتُحارِبْ فرنسا وبريطانيا أعداءْ الاتحادْ السوفييتي، يعني رغم العداء كان في مَصالِحْ مشتركةْ.
عام 1941 قرَّر هتلر غزوْ موسكو، وتحوَّلَ العداءْ السِّرِّي إلى حربْ طاحنةْ، وهنا توقفتِ المَصَالِحْ، وبدأت صفحة جديدة من الحرب انتهت بخسارةْ ألمانيا بعدَ عدةْ سنواتْ.
عملياً لو اكتفَى هتلر بالعداءْ السِّرِّي يمكن كان مسارْ الحربْ اتغيَّرْ بالكاملْ، وكان استمر تدفُّقْ الموادْ الأوليةْ من موسكو، ويمكنْ كان شكلْ العالمْ اليوم مختلفْ بالكاملْ.
قصةْ ألمانيا والاتحاد السوفييتي اليوم تكرر بين أمريكا والصين، بعد عام 2000 الصين تحولت لقوةْ اقتصاديةْ صاعدة، وبدأ الخليطْ منَ التنافُسْ وتبادُلْ المَصالِحْ بين أمريكا والصين.
العلاقةْ الاقتصاديةْ دخلت مرحلة من التطور. أمريكا فتحتْ الأسواقْ أمامْ السلعْ الرخيصةْ القادمةْ منَ المصانعْ الصينيةْ، وهذا الشي استفادْ منه المُواطِنْ الأمريكي، وصارْ يشتري هواتفْ وأجهزةْ وأثاثْ بأسعارْ أقل. في المقابل، الصين ساعدتْ أمريكا في تمويلْ العجزْ الحكومي، من خلالْ شراءْ سنداتْ الخزانةْ، وهنا يمكن وَصْفْ هذه العلاقةْ بـ”زواج مصالح”.
العلاقةْ كانتْ مُعقَّدَةْ، عداوةْ غير مُعْلَنَةْ، وتعاونْ علني في بعضْ المجالات، وهذا الشي بدأ يظهَرْ بشكلْ واضحْ في الأزمة المالية العالمية عام 2008، حينها أمريكا كانت بحاجةْ لأموال ضخمة لإنعاشْ الاقتصاد.
وهنا ظهرَ مصطلحْ المالْ السهلْ، يعني قروضْ بفائدةْ قريبةْ منَ الصفرْ، بهدفْ تحفيزْ الاقتصاد والخروجْ منَ الكسادْ، وطبعتْ واشنطن كمياتْ كبيرةْ من الدولار، لكنَّ الكميةَ ما لم تكن كافيةْ، والحلّْ كانْ طرحْ أذوناتْ خزينةْ جديدةْ للبيع، وهنا دخلتِ الصين واشترتْ بمليارات الدولارات، طبعاً ليس حباً بأمريكا، لكنَّ انهيارْ الاقتصاد الأمريكي يعني خسارةْ بكين لسوقْ هامْ، وفي نفسْ الوقتْ استفادتِ الصين من امتلاكْ سنداتْ الخزينةْ الأمريكيةْ لاستخدامها سياسياً، وهنا بنشوف المصالحْ كيف بتغلب العداوةْ.
سياسةْ المالْ السهلْ عززتْ منْ سيطرةْ الدولار، وكِفَّةْ القوةْ كانت في صالحْ أمريكا بشكلْ واضحْ، وهذا ما أشارَ له كريستوفر ليونارد Christopher Leonard في كتابه The Lords of Easy Money، سياسة المال السهل، يقول: انو هذه السياسة ساهمتْ في زيادة السيطرة الأمريكية على النظام المالي العالمي.
الدولار كان سلاحْ أمريكا الأقوى، لذلك بدأتْ الصين تبحثْ عنْ سلاحْ جديدْ، السلاحْ الجديدْ كان مبادرةْ الحزام والطريق، مشروعْ عِمْلَاقْ يربطْ قارات العالم بشبكةٍ هائلةٍ منَ الطرقْ التجاريةْ. إذا كانت أمريكا عم تتحكَّمْ بالعالمْ بالدولارْ، الصين رح تتحكَّمْ به من خلالْ التجارةْ، وهنا بدأ التنافُسْ يزدادْ، لكنْ ما وصلْ لمرحلةْ الصدامْ، بقيتْ المصالحْ المشتركةْ تَحْكُمْ الموقفْ.
الأمر كان مُعَقَّدْ جداً، شبكةْ مُعقَّدَة منَ المصالحْ ومنَ التَّنافُسْ، الصين تحتاجْ الدولارْ حتى تُمَوِّلْ مشروعْ الحزام والطريق، وأمريكا تحتاجْ الصينْ تشتري سنداتْ الخزينةْ حتى تُمَوِّلْ الموازنةْ، وهنا القضيةْ صارتْ أشبهْ بشَدِّ الحَبْلِ، كلُّ طَرَفْ عمبحاول يتخلَّى عن الثاني.
هنا انتَقَلَ التنافُسْ لمرحلة جديدة، هي حربْ العُملاتْ، أمريكا تتهمْ الصين إنها عمبتخفض قيمةْ اليوان، بهدفْ سهولةْ التصدير وإغراقْ السوقْ الأمريكيةْ بالبضاعةْ الصينيةْ. بكين أيضاً تتهمْ واشنطن بطباعةْ كمياتْ كبيرةْ منَ الدولار، وهذا الشي عم يرفعْ التضخمْ عالمياً وعم تتناقصْ قيمةْ الأصولْ الصينية المُقَوَّمَةْ بالدولار.
حول هذه الفكرة يقول ليونارد Leonard،: إنَّ السياساتْ النقديةْ الأمريكية وتحديداً سعرْ الفائدةْ لم تكن ضدَّ الصين، بل كانتْ قضيةْ داخليةْ، بهدفْ تحفيزْ الاقتصادْ، لكنْ يبدو أن الصين تأثَّرَتْ سلباً بهذه السياسة. لكنْ رغمْ كلِّ هذه التوتراتْ بقي الأمرْ تحتْ السيطرةْ، والسببْ القناعةْ عندَ الطرفَيْنْ أنو الصراعْ التجاريْ المباشِرْ لن يكون في مصلحةْ أحدْ.
لكنْ كلْ هذا انقلبْ بعدَ وصول ترامب للبيت الأبيض في المرة الأولى، وسلوكه كان يُشْبِهْ سلوكْ هتلر مع الاتحاد السوفييتي، حَوَّلَ التَّنافُسْ إلى صراعْ مباشِرْ، وتحوَّلَ الأمرُ منْ مصالحْ مُتَبَادَلَةْ مع عَدَاوَةْ غير مُعلَنَةْ إلى معركةْ كَسْرْ عِظَامْ.
ترامب غَيَّرَ كلَّ قَواعِدْ اللُّعْبَةْ، وبدَأَ برُسُومْ جمركيةْ ضدَّ منتجاتْ الصين، وتأثَّرَتْ بكين، أمريكا كذلك الأمر تأثَّرَتْ، ردَّتِ الصين برسومٍ مُماثِلَةٍ، وخفَّضَتْ قيمة اليوان لأدنى قيمة منذ عام 2007، وعملياً خفَّفَتْ مِنْ أثرْ الرسومْ وصارتْ البضائعْ الصينيةْ أرخصْ، يعني الخسارة منَ الرسومْ عوَّضَتْهَا المكاسبْ مِن خَفْضْ اليوان.
الأضرارْ في أمريكا كانتْ كبيرةْ، ارتفعتْ الأسعارْ، وخسِرَ المستهلكْ الأمريكي خلال عامين 51 مليار دولارْ، توقف تصديرْ بعضْ المنتجاتْ الزراعيةْ مثل فول الصويا، واضطرتْ الحكومةْ الأمريكيةْ تُقدِّمْ دعمْ للمزارعين بقيمة 28 مليار دولار لتعويضْ الخسائرْ، يعني النتيجةْ النهائيةْ ما كانتْ في صالحْ واشنطن، الأمر كانْ أشبهْ بعِمْلَاقَيْنْ عم يتحاربوا، ولا يمكن لأي طرفْ فيه أن يهزمْ الثاني بالضَّرْبةْ القاضيةْ، غيرَ أنَّ هذا الصراعْ تسبَّبَ بضرر للاقتصادْ العالمي بالكامل.
في حروبْ الكبارْ الأقوى فيا هو اللي فيه يتحمَّلْ أكتر، الأمرْ أشبهْ بِعَضِّ الأصابعْ.
في ولاية ترامب الثانية عادَ الصراعْ من جديدْ، لكنْ هذه المرةْ بشكلْ أكبرْ وأخطرْ، رسومْ جمركيةْ غير مسبوقةْ، مع دخول أسلحةْ اقتصاديةْ جديدةْ مثل الذكاء الاصطناعي والمعادن الأرضيةْ النادرةْ.
ترامب يُصِرّْ على هزيمةْ بكين بالضربةْ الاقتصاديةْ القاضيةْ، وهذا الشي غير ممكنْ، الاقتصادْ الصيني عملاقْ، وعنده شبكةْ هائلةْ من العلاقاتْ، بالتأكيدْ الضغوطْ الأمريكيةْ عم تُسبِّبْ ضررْ لبكين، لكنَّ الضررْ مُتبادَلْ، والإصرارْ على هزيمةْ الخصمْ يمكن ينتهي بخرابْ العالَمْ.
التاريخ يقولْ: انو الحروبْ العسكريةْ تُولَدْ مِنْ رَحِمْ الاقتصادْ، الاقتصادْ هو المُحَرِّكْ الأهمّْ للصراعاتْ العسكريةْ، الوضعْ الحالي أخطرْ من مرحلةْ الحربْ الباردةْ، في ذلك الوقتْ كان مجالْ الصراعْ محدودْ في سباقْ تسلُّحْ. أما اليوم فكلّْ الاحتمالاتْ مفتوحةْ. ترامب يُصِرّ على القضاءْ التامّْ على كلِّ الخصومْ، وهذا الشي يُذَكِّرْ مرةً أخرَى بالسياسةْ اللي اعتمدهَا هتلر وحارَبْ العالَمْ كلَّهْ في الشرقْ والغربْ، وانتهى الأمرْ بالهزيمةْ والفشل.
خلاصةْ الأمرْ: الصراعْ الأمريكي الصيني قد ينتهي بأزمةْ عالميةْ، ممكن ما تبقَى محصورةْ بميدانْ الاقتصادْ، ممكن تَجُرّ العالَمْ لحربْ عسكريةْ مفتوحةْ، الكلُّ فيها خسران، ويمكنْ أمريكا اللي عم تُشْعِلْ هذه الحربْ تكون أول وأكبر الخاسرين.