في فبرايرْ 2002، وقعْ حادثْ في عربةْ قطارْ بمدينة Godhraغودهرا الهندية.
59 هندوسيًّا ماتوا مُحترقين، الشرارةْ تَحوَّلَتْ بعدَهَا إلى جحيمْ ضدْ المسلمين في ولايةْ غوجارات.
خلال أيام، احترقتْ أحياءْ بأكملهَا، قُتِلَ أكثرْ منْ 2,000 مُسْلِم، وتحوَّلَ الجيرانْ إلى جلادينْ. الشرطةْ وقفتْ تَتفرَّجْ، وأحيانًا ساعدتْ القَتَلَةْ. تمَّ التعدِّي على النساءْ، والبيوتْ صارتْ رمادْ، وكلُّ مُسْلِمْ أصبحْ هَدَفْ مُستَبَاحْ. وبقيتْ غوجارات جُرْحْ مفتوحْ في ضميرْ الهند، تُذكِّر بأنَّ الطائفيةْ ليست حادثْ عَرَضي، بل هي وحشْ يسكن الدولْ، يستيقظْ حين تَضْعُفْ العدالةْ.
المُفَكِّرْ السوري برهانْ غليونْ يتناولْ هذه الفكرةْ في كتابِهْ “المسألةْ الطائفيةْ ومشكلةْ الأقلياتْ”، ويرى أنَّ الطائفيةْ ليست مَرَضْ ديني، بل هو عرَض سياسي واجتماعي، يظهرْ عندما تغيبْ دولةْ المواطنةْ ويُصبحْ الانتماءْ الديني أو العِرْقي هو أساسْ العلاقةْ بين الشعب والسلطةْ.
الفكرةْ تبدأْ منَ الجذورْ التاريخيةْ، منَ اللحظةْ اللي تحوِّلتْ فيها الطائفةْ إلى هُوِيَّةْ سياسيةْ. لما صارتْ الطائفةْ تعني الانتماءْ، وليسَ الإيمانْ، وأصبحْ الدينْ يُستعمَلْ دِرْعْ للسُّلطةْ لا كقيمةْ روحيةْ. من هنا ولدت الصراعاتْ اللي ما بتخلصْ؛ لأنَّ كلْ جماعةْ شافتْ في نفسهَا الأصلْ، والباقي هم التهديدْ.
مع ظهورْ الدولةْ الحديثةْ، كانتْ المشكلةْ أعمقْ. لأنَّ التنوعْ الاجتماعي في الدولةْ العربيةْ لم يحدث ذلك الفرق، بالعكسْ تعاملتْ معه على أنَّهْ أزمة، اعتمدتْ على فكرةْ الأُمَّةْ المُتَجَانِسَةْ، أُمَّةْ بِلَوْنْ وَاحِدْ، دِينْ واحدْ، وصوتْ واحدْ. هنا تحوَّلَتْ الأقلياتْ منْ مُكوِّنْ طبيعي إلى عِبْءْ سياسي. وهذا الشيء أوضح ما يكون في لبنان وسوريا والعراق، حكوماتْ حاولتْ تبني وطنْ مُوحَّدْ، لكنْ دونْ عَقْدْ اجتماعي جامعْ، وصارتْ الطائفيةْ هي البديلْ عنْ الوطنْ.
الطائفية مو بس هُوِيَّةْ، هي أداةْ سُلْطَةْ. لما بتِضْعَفْ الدولةْ، بيصيرْ الولاءْ للطائفةْ، ولمَّا بيتراجعْ القانونْ، بيِحْلّْ مَحَلُّهْ الانتماءْ المُغْلَقْ. طبعا النُّخَبْ السياسيةْ بتستغلْ هذا الانقسامْ حتى تُثَبِّتْ وُجُودهَا، وبَدَلْ توحيدْ الشَّعْبْ، بتقَسِّمِهْ حتى تسيطرْ عليه. التجربةْ العراقيةْ بعدْ 2003 مثالْ واضِحْ: المحاصصةْ الطائفيةْ ما بنت ديمقراطيةْ، بلْ سَلَّمَتْ الدولةْ لميليشياتْ تَرْفَعْ راياتْ المذهبْ بدلْ عَلَمْ الدولة.
لبنانْ أيضًا، الطائفيةْ أصبحت الهُوِيَّةْ السياسيةْ للدولةْ، وهي اللي أعطَتْ ميليشيا حزب الله مُبَرِّرْ لتأسيسْ دولةْ داخِلْ الدولةْ، لذلك يمكنْ اعتبار اتفاقْ الطائفْ عام 1989 هو اللي أطلقْ يدْ الميليشياتْ الطائفيةْ في لبنان، لأنو اعتمَدْ على الانتماءْ المذهبي في إدارةْ الدولةْ.
الأقلياتْ، اللي دايمًا بيتِمّْ الحديثْ عن حمايتهَا، كانتْ أحيانًا أداةْ بيدْ الخارجْ. القُوَى الكبرى استخدمَتْهَا حُجَّةْ للتَّدخُّلْ بشؤونْ الدولْ، وهذا الشي كانْ واضِحْ خلالْ أزمةْ عام 1860 في سوريا ولبنان، عندما حاولتْ فرنسا التَّدخُّلْ في شؤونْ الشرقْ العربي بهدف إضْعَافْ الدولةْ العثمانيةْ والحُجَّةْ كانت حمايةْ الأقلياتْ خاصةْ المَوَارِنَةْ. السويداء مثالْ آخرْ، إسرائيل اليوم تحاول التَّدخُّلْ في شؤونْ سوريا الداخلية من خلال استخدام ورقة الدروز.
حتى الاقتصاد، لم ينجُ منَ الانقسامْ. البُلْدَانْ اللي تقسمت طائفيًّا، أصبحْ توزيعْ الثروةْ مُرتبِطْ بالهُويَّةْ. المَناصِبْ والفُرَصْ وحتى القروضْ البنكيةْ، تتمّْ عَبْرْ شبكةْ الولاء الطائفي، وليس عبرْ الكفاءَةْ. ومع الوقتْ، أصبحْ الفقيرْ هو ابنْ الطائفةْ الفقيرةْ، والغني هو ابنْ الطائفةْ الغنيةْ، وتَحوَّلْ الاقتصادْ إلى خريطةْ للتمييز.
الإعلامْ كذلك لَعِبَ دَوْرْ كبيرْ؛ لأنَّ الخطابْ الطائفي ما بينتشر من فراغْ. الكلمةْ اللي تقال عالهوا أو تُكْتَبْ بالمانشيت، ممكن تشعلْ نارْ بين الناسْ أكتر منْ أيِّ رصاصةْ. كيفْ بيتمْ وَصْفْ “الآخَرْ” بالإعلامْ، هذا ما يحَدِّدْ إذا الناس رح تتعاطفْ معه أو تكرههْ. وبزمنْ السوشيال ميديا، صارتْ الطائفيةْ رقميةْ، متخفيةْ تحتْ شعاراتْ الحريةْ والهُوِيَّةْ، بس عم تِخْلَقْ جُدْرَانْ جديدةْ بينَ البَشَرْ.
ومع العولمةْ، تَغَيَّرْ شَكْلْ الانتماءْ. صارْ في هُوياتْ رقميةْ، مجتمعاتْ افتراضيةْ، ومهاجرين بيحملوا أوطانهمْ على هواتفهمْ. بدلْ ما تَضْعفْ الطائفيةْ، صارتْ تَنْتَشِرْ بأشكالْ جديدةْ. لأنَّ المنصاتْ اللي بتِجَمْعْ الناسْ، عم تِفْرِزْهُمْ بنفسْ الوقتْ، وبتِحَوِّلْ الاختلافْ إلى مادةْ للتفاعُلْ، وليس للفَهْمْ.
في المقابلْ، في دُوَلْ تجاوزتْ هكذا أزماتْ. رواندا مثال حي، بعدَ مَجازِرْ التسعينياتْ، أغلقت باب الثأرْ، وأعادتْ تعريفْ نفسهَا على أساسْ المُواطَنَةْ. جنوبْ إفريقيا كذلك بعدَ الفَصْلْ العُنْصُرِيّ، بَنَتْ مجتمعْ مُتسامِحْ؛ لأنه كان الخيارْ الوحيدْ للبقاءْ. بينما في العالَمْ العربي، ما يزالْ الأمرْ عالقْ بين الخوفْ منَ الاختلافْ والحنينْ إلى وحدةْ وهميةْ.
القانونْ الدولي بيحاولْ يتكلم بلُغَةْ المساواة، لكنه حتَّى اليومْ لم يوَفَّرْ توازنْ بين حقِّ الأقلياتْ بالخصوصيةْ وحقِّ الدولةْ بالسيادةْ. أيّ تهديدْ مهما كان بسيطْ لأيِّ أقليةْ طائفيةْ يتحرَّكْ العالَمْ ضدَّهْ، لكنْ لا يتمّْ الحديثْ عن حقِّ الدولةْ في السيادةْ على الشعبْ والأرضْ. وَهذا كان واضحْ خلال الهجومْ اللي نَفَّذَهْ فلولْ النظامْ البائدْ ضدْ قواتْ الجيش السوري في الساحل في آذار/ مارس. ارتفعتْ بعضْ الأصواتْ تُطالِبْ بحمايةْ حقوقْ العلويين، لكنْ لم نَسْمَعْ أصواتْ تَتحدَّثْ عنْ حقّْ الدولةْ في بَسْطْ السيطرةْ على كلّْ الأرضْ، وهذا نوعْ منَ الازدواجيةْ الدوليةْ.
الطريقْ لتَجاوُزْ الطائفيةْ لا يمرُّ عَبْرَ مَحْوْ الطوائفْ ولا عَبْرَ فَرْضْ نسيجْ اجتماعي مُوحَّدْ بالقُوَّةْ. هو تَحَوُّلْ أعْمَقْ يبدأْ بإعادةْ تعريفْ معنى الانتماءْ. المُواطَنَةْ ليستْ وَرَقَةْ هُوِيَّةْ أو بَنْدْ دستوريّ تُكْتَبْ وتُنْسَى، المُواطَنَة هي عَقْدْ أخلاقي يَوْمي يُمارَسْ في المدارس، في المحاكم، في سوق العمل، وفي خطابْ الإعلامْ. وهذا يعني قوانينْ تضمنْ حقوقْ متساويةْ، وأماكنْ تمثيلْ تَفْتَحْ بابْ المُشَارَكَةْ الفِعْلِيَّةْ لكُلِّ مُكَوِّنْ، ونظامْ اقتصادي يُعِيدْ تَوزيعْ الفُرَصْ بدلَ ما يِعِيدْ إنتاجْ التمييز.
خلاصةْ الأمرْ، التجاربْ تُؤكِّدْ انو الاعترافْ بالتنوُّعْ الثقافي والديني لا يكفي، لأنو من دونْ عدالةْ فِعْليَّةْ بتوزيعْ السُّلْطَةْ والفُرَصْ، يبقَى الاعترافْ مجرَّدْ شعارْ. المساواةْ الحقيقيةْ لَا تتحقَّقْ عندمَا نقولْ “كلّْ الطوائفْ مُتساويةْ”، بل من خلالْ المُمارَسَةْ.
الاعترافْ بحقوقْ الأقليات ضروري، لكنْ أيضاً على الأقلياتْ تأكيدْ أنَّ الولاءْ للدولةْ وليس للخارجْ. مُعالَجَةْ مشكلةْ الطائفيةْ ليستْ مسؤوليةْ الحكومةْ فقط، بلْ مسؤوليةْ الجميع، بمَنْ فيهمْ الأقلياتْ.