في عام 1553م، وقَفْ السلطانْ سليمان القانوني على تلَّةْ تُطِلْ على نهرْ بردى في دمشق، وأشارْ إلى الأرضْ اللّي كانتْ بيومْ منْ الأيامْ قصرْ للظاهرْ بيبرسْ، وأمَرْ ببناءْ تكيَّةْ بهذا المكانْ.
ومنْ يومهَا وُلِدتْ التكيَّةْ السليمانيةْ، واحدةْ منْ أجملْ مَا تَرَكَهْ المعماري العثماني “معمار سنان”. كانتْ فكرةْ الوقفْ وقتهَا بسيطةْ وعظيمةْ في آنْ واحدْ: أنْ يُحْبَسْ المالْ ليبقَى نَفْعُهْ بعد صاحبهْ، فيأكلْ الجائعْ، وينامْ المسافِرْ، ويتعلَّمْ الفقيرْ.
تحوَّلتْ التكيةْ إلى قلبْ نابضْ لدمشق. في كلْ ركنْ كانتْ تُوزَّعْ وجباتْ الطعامْ اليوميةْ، وفي كلْ زاويةْ يجلسْ الفقراءْ والطلابْ، وبدا الوقفْ كما يَجِبْ أنْ يكونْ: رحمةْ جاريةْ تَمْشِي بينْ الناسْ.
اليومْ بنعيش إشكاليةْ كبيرةْ في إدارةْ الأوقافْ في معظمْ الدولْ الإسلاميةْ، لمْ يَعُدْ للأوقافْ إدارتهَا الخاصةْ، بل أصبحت تحتْ إشرافْ الحكوماتْ، ولم يعد للوقفْ مكانتهْ كما كان من قبلْ.
منْ أهمْ الإشكالياتْ اللّي بتواجهْ نظامْ الوقفْ اليومْ هوْ التعدّي أوْ نزعْ الملكيةْ بحجةْ إقامةْ مشاريعْ تنمويةْ، مثلْ شق طرقْ، وبيكونْ أحيانًا الوقفْ بمُنتصفْ الطريقْ، وهنا تبدأْ المعادلةْ الصعبةْ: كيفْ نحافظْ على الوقفْ، وبالوقتْ نفسه نشق الطريق؟
في سوريا اليومْ، أصبحت التكيةْ السليمانيةْ تحتْ إشرافْ وزارةْ الأوقافْ، لكنهَا فقدتْ الكتيرْ منْ رسالتها الاجتماعيةْ، مبانيهَا ما زالتْ قائمةْ، لكن الحياةْ فيهَا أصبحت ساكنة… جزءْ منهَا تحوَّلْ إلى سوقْ للحِرَفْ التقليديةْ ومتحفْ صغيرْ، وجزءْ آخرْ مُغلَقْ باسم”الحفاظ والترميم”.
أما في مصر، فكانتْ الأوقاف بيومْ منْ الأيامْ أحدْ أعمدةْ الحياةْ العامةْ، خاصةْ في العصورْ المملوكيةْ والعثمانيةْ، وصلتْ الأوقافْ في مصرْ في بعضْ الأوقاتْ إلى انو 40% منْ الأراضي الزراعيةْ كانتْ وقفْ، الأوقافْ كانت تموِّلْ التعليمْ في الأزهرْ، والمراكزْ الصحيةْ، وتكفلْ الطعامْ للفقراءْ في التكايَا، فضلًا عنْ إمداداتْ المياهْ ورعايةْ الحيواناتْ.
لكنْ بعدْ صدورْ قانونْ تنظيمْ الأوقافْ عام 1952، تحوَّلتْ الإدارةْ إلى جهازْ مركزي حكومي؛ مَا أدَّى إلى تراجُعْ العائدْ وضَعْفْ الدورْ الاجتماعي.
نموذجْ واضحْ على هذا هوْ وقفْ قنصوهْ الغوري في القاهرةْ، اللّي كانْ بيشملْ الكثيرْ منْ الأنشطةْ الاجتماعيةْ في القرنْ السادسْ عشرْ، واليومْ يعاني منْ الإهمالْ والضعفْ، رغمْ موقعهْ الحيوي.
المفارقةْ هنا، انو الأماكنْ اللّي كانتْ ملاذْ للمُحتاجْ يوما ما، صارتْ اليومْ مزارْ سياحي أكثرْ منْ كونه بيتْ رحمةْ. التكيةْ السليمانيةْ وغيرها، ما زالَتْ شاهدةْ على زمنْ كانتْ فيه الأوقافْ تصنعْ الحياةْ. منْ هناكْ تبدأْ الحكايةْ:
كيفْ فَقَدْ الوقفْ رمزيَّته، وكيفْ أعادتْ دولْ أخرى -مثلْ تركيا وأمريكا- إحياءَهُ بعقلْ جديدْ وروحْ قديمةْ؟
في التاريخْ، كمَا نوضِّحْ في كتاب “الوقف وأثره على الاقتصاد والمجتمع”، كانْ للوقفْ شروطْ دقيقةْ لضمانْ استمراريَّته وطابعه الخيري، منها: عدمْ بيعْ الأصلْ الوقفي، وثباتْ صرفْ الريعْ في مساعدةْ المجتمعْ.
هُنَا يظهرْ جوهرْ الوقفْ، وهو تحقيقْ “العدالة”، بأنْ يمتدْ نفعْ المالْ بعدْ موتْ صاحبه ليَعُمْ المجتمعْ؛ وهوْ ما يجعلْ الوقفْ جزءْ منْ مفهومْ الاستخلافْ لا التملُّكْ.
لكن تدخُّلْ بعضْ الدولْ بإداراتْ بيروقراطيةْ أوْ تغييراتْ قانونيةْ عطَّلتْ هذه الشروطْ؛ ممَا أدَّى إلى فقدانْ فعاليَّته وأحيانًا الاستحواذْ على الأوقافْ.
وعلى الرغمْ منْ هذه الإشكاليةْ نجحتْ دولْ أخرى مِثْلْ تركيا وأمريكا بتطويرْ هذه الشروطْ وإدارتها بذكاءْ.
في التجربةْ التركيةْ، الحكايةْ مختلفةْ شويْ، بعدْ عقودْ منْ التراجعْ اللي أصابْ الأوقافْ في العالَمْ الإسلامي، أعادتْ الدولةْ التركيةْ إحياءْ هذَا النظامْ بذكاءْ إداري واقتصادي، وحافظتْ على أوقافْ الناسْ وظلْ الوقفْ يؤدي الدور المطلوبْ.
اليومْ تُشرِفْ المديريةْ العامةْ للأوقافْ على عشراتْ الآلافْ منْ الأوقافْ، تشملْ مطابخْ خيريةْ بتقدّمْ الطعامْ بالمجانْ للمحتاجينْ، ومشروعاتْ إسكانْ وتعليمْ وصحةْ، بحيثْ تُحقِّقْ أهدافها المطلوبةْ منْ دونْ مَا يتراجعْ دورْ الوقفْ.
اللافتْ انو تركيا مَا اكتفتْ بإدارةْ الأوقافْ الخيريةْ فقطْ، بلْ فعَّلتْ مفهومْ الوقفْ الجامعي، فصارْ للجامعاتْ وقفياتْ خاصةْ تُموِّلْ البحثْ والتعليمْ، مثلْ جامعةْ صباحْ الدينْ زعيمْ وجامعةْ السلطانْ محمد الفاتح.
هلْ هذا يعني أنْ تركيا الحديثةْ لمْ تُواجِهْ صعوباتْ في حفظْ الوقفْ الموجودْ منذْ عصورْ؟!
بالطبعْ هناكْ صعوباتْ واجهتهَا الإدارةْ الحديثةْ في تركيا، ومنها: الضياعْ الإداري… كتيرْ منْ الأوقافْ القديمةْ لم يكن لها سجلَّاتْ، وبعضها مفقودْ بينْ الورقْ، لذلكْ قامتْ الحكومةْ بوضعْ آلافْ الأوقافْ التاريخيةْ تحتْ إدارتها منْ أجلْ الاستفادةْ منها.
معْ التطورْ التكنولوجي، تغيَّرْ شكلْ الحاجة، وصارْ من الضروري أن يواكب الوقفْ العصرْ، اليومْ في تجاربْ عديدةْ مثلْ الوقفْ العلمي الرقمي، وهذا موجود في أكثر من دولة، كذلك “الوقف الأخضر” اللي بيخصَّصْ أموالْ لحمايةْ البيئةْ والطاقةْ النظيفةْ. يعني الوقفْ ما عاد فقط إطعامْ ولباسْ، وطلبْ علمْ تقليدي، بلْ صارْ عِلْمْ وطاقةْ ومعرفةْ متطوّرةْ.
في التجربةْ الأمريكيةْ، كمَا يوضّحْ الكتاب، لم يعد الوقفْ صدقةْ، بل انتهى به الامر ليصبح مؤسسةْ اقتصاديةْ حقيقيةْ يتبنى تنميةْ مستدامةْ. الإحصاءاتْ تذكر عشراتْ آلافْ المؤسساتْ الوقفيةْ بأصولْ تتجاوزْ 550 مليارْ دولارْ، وهذا الرقم موْ بسيطْ. ومنْ ريع هذه المشاريع، يصرف سنويًّا حوالي 30 مليارْ دولارْ على التعليمْ والبحثْ العلمي والخدماتْ الاجتماعيةْ.
هنا يتَّضحْ الفرقْ، الوقفْ مو بس قوانينْ وتنظيمْ، بلْ عقليةْ استثماريةْ واعيةْ. منْ تلكْ النماذجْ مثلًا مؤسسةْ كارنيجي اللّي أسَّسها أندرو كارنيجي عام 1906 لدعمْ التعليمْ، ومؤسسةْ فوردْ الوقفيةْ اللّي حوّلْ مُؤسِّسها 90% منْ أسهمْ شركته الخاصةْ لوقفْ خيري، هذه المؤسساتْ لم تكن “تبرعات موسمية”، بلْ كانتْ مشاريعْ تنمويةْ على المدى البعيدْ.
مَنْ يقرأْ تاريخْ الوقفْ، يدرك إنو الموضوع فقط مؤسسةْ دينيةْ، بلْ هي منظومةْ كانتْ تُحرِّكْ الحياةْ كلها، المدارسْ، والمستشفياتْ، والطرقْ، أسبلةْ الماءْ بالشوارعْ، أغلبها كانْ منْ أموالْ الوقفْ.
يعني باختصارْ، الوقفْ كانْ النبضْ الاجتماعي اللي بيخلّي المجتمعْ يعيشْ بتكافلْ حقيقي، منْ غيرْ مَا بينتظرْ دورْ الدولةْ.
ومنْ هنا بنفهمْ فكرةْ إنو الوقفْ كانْ شكلْ مُبتكَرْ منْ أشكالْ “العدالة الاجتماعية”.
أوضاعْ الوقفْ اليومْ بتواجهْ إشكاليةْ كبيرةْ، وصارتْ مُعقَّدةْ بسببْ التغيراتْ الكبيرةْ اللّي صارتْ بإدارةْ الأوقافْ على مدى السنواتْ الماضيةْ.