مشاركة

في ثمانينيات القرن الماضي، وبينما كانت الشركات اليابانية تُغْرِق السوق الأمريكية بسيارات أرخص وأكثر كفاءة، توقَّفَت شركة “ديترويت” عاجزةً أمام الخسائر المتراكمة وسجَّلت خسائر بنحو 4 مليارات دولار، وسَرَّحَتْ 300 ألف عامل، واحتاج الأمر إلى سنوات من الدعم والسياسات الحمائية لتُعِيد تَرتيب أوراقها.

اليوم، تَعود القصةُ من جديدٍ، لكنْ بمَلامح صينية، وبوتيرةٍ أسرع، وعالَمٍ أكثر تعقيداً.

في 2024، أصبحت الصين تُنْتِج أكثر من 70% من السيارات الكهربائية عالمياً، بإجمالي تجاوز 12 مليون مَرْكَبَة. لم تَكْتَفِ الصين بتلبية سوقها الداخلي، بل تقدَّمَت بقوةٍ نحو التصدير، لتستحوذ على 40% من صادرات العالم من السيارات الكهربائية. وفي قَلْب هذه الطَّفْرَة، تَرَبَّعَتْ شركة BYD على العرش ب 4.27 مليون سيارة كهربائية في عام 2024م، و374 ألف مَرْكَبَة في الخمسة أشهر الأولى من 2025م، متفوقةً على تيسلا لأول مرة.

الأمر لا يقتصر على السيارات، بل على الشَّحن والتوزيع. الصين تُسيطر فِعْلياً على إنتاج البطاريات الحديثة “LFP” والمغناطيسات الأرضية النادرة، التي تُعدُّ جزءاً أساسياً من معظم المركبات الكهربائية. ما دفَع أمريكا للتحذير من الاعتماد على سلاسل توريد خارج سيطرتها.
تفوُّق الصين لم يأتِ من فراغ، بل خطة مُحكَمة سبقت بها الجميع، ما تملكه الصين من سلسلة إنتاج متكاملة تبدأ من المناجم، وتنتهي بخطوط التجميع، يسمح لها بتسريع الإنتاج وخَفْض التكاليف إلى مستويات غير مسبوقة. ولأن اللعبة بدأت بالسرعة، فإنّ الفارق الزمني بين تصميم السيارة وتشغيلها في الأسواق لا يتجاوز عدة أشهر، مقارنةً بأعوام في الغرب.

في منتصف هذا السباق، قرَّر “جيم فارلي” الرئيس التنفيذي لشركة فورد، تجربة سيارة “شاومي” بنفسه، لم يَشْعُر أنه يُواجِه منافساً عادياً، بل خرَج بدهشةٍ حقيقيةٍ جعَلَته يُعيد تقييم المشهد بأكمله. واعترف لاحقاً أنّ البرمجيات التي تَستخدمها شركات صينية مثل شاومي وهواوي، متقدمةً بشكلٍ يَفُوق بكثيرٍ ما تُصَنِّعُه شركاتٌ أمريكية عملاقة، فالصينيون لا يصنعون سيارات، بل يَبْنُون أنظمةَ تشغيل مُتحرّكة، والمعركة لم تَعُد تعتمد على قوَّة المُحرِّك أو سَعَة البطارية، بل على الذكاء المتكامل داخل السيارة.

في مؤتمر رسمي صرح فارلي أن الصين تجاوزت الجميع في سباق السيارات الكهربائية، بتفوقٍ يشمل السعر والتقنية والإنتاج والانتشار العالمي”. ولم تكن هذه مجرد ملاحظة عابرة من مستثمر أمريكي، بل تصريح واضح بأنّ الغرب مُتأخِّر بالفعل، وأن اللّحَاق بالصين بات تحدياً حقيقياً لا يكفيه التمويل ولا تكفيه النوايا.

المفارقة الكبرى أن الصينيين لا يسعون لغزو الأسواق بمنتجات رخيصة، بل بإقناع المستهلك أن السيارة الذكية لا تأتي إلا من الشرق، أما الغرب الذي صَدَّرَ معايير الصناعة، يجد نفسه اليوم يُحاول اللّحَاق بمواصفات يَفْرضُها خَصْمُه.

خلاصة القول: السباق لم يَعُد يتركَّز حول السيارات، بل عَنْ مَنْ يَمْلِك النظام الذي يتحكَّم بكلِّ ذلك. وإذا لم تُغَيِّر فورد وحلفائها قواعد اللُّعبة، فلن تملك حتى المقعد الخلفي فهل تستطيع الشركات الأمريكية اللّحَاق بالصين قبل أن يزداد الفارق؟

مشاركة



عن المقال

  • يحيى السيد عمر