مشاركة

في عام 1994، كانت أمستردام أول مَن أشعلَ شرارة التجربة عندما أعلنتْ عن أول “مدينة رقمية” مزوَّدة بمنصة ذكية للتحكُّم بالأنظمة الحَضَرِيَّة، بما في ذلك النقل والطاقة، عبر الإنترنت، في خطوةٍ رائدةٍ مهَّدت للمفهوم الحديث للمدن الذكية. تلك التجربة المُوَصِّلة بين التكنولوجيا والمُواطِن خلقتْ صفحة جديدة في تاريخ التخطيط الحَضَرِيّ.

اليوم، وبعد ثلاثة عقود، عاد السؤال ليطرح نفسَه بإلحاحٍ أكبر: هل المدن الذكية مجرد رفاهية تقنية؟ أم أنها ضرورة حتمية في زمن الأزمات البيئية والازدحام والاختناق الحَضَرِيّ؟

الجواب، كما يبدو، ليس بسيطاً. فالنموّ الحَضَري الهائل في بلدان الجنوب، بما فيها الدول العربية، لم يُرافقه تطوُّر مماثل في كفاءة المرافق والبِنَى التَّحتية. الخدمات تزداد طلباً، بينما الميزانيات تضيق. هنا تَطْرَح المدن الذكية نفسَها كحَلٍّ منطقيٍّ: استخدام التكنولوجيا لتحسين إدارة المياه، الطاقة، المرور، والنفايات.

في السويد، نُفِّذَت شبكة ذكية لتدوير الحرارة بين المباني ما خفَّض استهلاك الطاقة بشكلٍ كبيرٍ، وحَوَّل المنطقة إلى نموذج دولي لحَيٍّ ذكيٍّ مُتكَيِّف مع التغيُّر المناخي. لم تكن رفاهية، بل استجابة ذكية لواقع بيئي ضاغِط.

لكن كما أنَّ لكل عُمْلَة وَجْهاً آخر، فإنَّ للمدن الذكية وجهاً آخر أكثر تعقيداً. فكلما زادت الكاميرات وأجهزة الاستشعار، زادت الأسئلة حول الخصوصية. هل تتحوَّل المدينة إلى “عين لا تنام”؟ أم أنها تحولت إلى منظومة مُراقَبة مُقنَّعَة بغطاء الكفاءة. ومَن يملك البيانات؟ الحكومة؟ الشركات؟ أم المُواطِن نفسه؟

المُفارَقَة أنَّ بعض التجارب التي بدأت بطموح عالٍ، لم تُحقِّق فعلياً ما وعدتْ به. في كولومبوس بولاية أوهايو الأمريكية، أُطلِق مشروع “المدينة الذكية” في 2016 ، لكن بعد سنوات من العمل، أظهرت التقييمات أنَّ الأثرَ الفِعْلِيّ على المجتمعات المحلية وخاصةً المُهمَّشَة كان محدوداً. البنية التحتية الذكية بُنِيَتْ، لكن لم يتم استخدامها بفعالية.

وفي العالَم العربي، تسير بعض الدول بخطًى سريعة في هذا المضمار. دبي مثلاً أطلقت مشروع “المدينة الذكية” Smart Dubai منذ 2014، واحتلت المرتبة 29 عالمياً على مؤشرات المدن الذكية، بهدف رقمنة الخدمات ودمج القطاعين العام والخاص عبر تطبيقات مثل DubaiPay وDubaiNow.

كما استثمرت قطر في مشاريع ذكية كبرى، تشمل تطوير البنية التحتية للنقل والمباني بـالذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة؛ خاصةً في Lusail City،

واستثمرت المغرب أيضاً في أنظمة ذكية للبنية التحتية والمواصلات تعتمد على الطاقة الشمسية.

يبقى السؤال: هل انتقلت الفائدة للمُواطن؟ أم بقيت محصورةً في طبقة محدَّدة وشركات كبرى تستفيد من المناخ التقني والاستثماري؟

التحوُّل إلى مدينة ذكية ليس فقط استخدام الذكاء الاصطناعي والإنترنت فائق السرعة. وإنما هو مشروع سياسي واجتماعي واقتصادي في آنٍ. لا معنى للمدينة الذكية إن لم تدمج الجميع، لا فقط من يمتلكون الهواتف الذكية أو يعرفون استخدام التطبيقات التكنولوجية.

خلاصة الأمر: المدن الذكية يمكن أن تكون ضرورة، لكنّها ليست حتمية بالمعنى التقني. هي ضرورة بشرط: أن تُصمَّم لخدمة الناس، لا لمراقبتهم. أن تَستهدف حلّ المشكلات الحقيقية، لا فقط ملاحقة الترند الرقمي. التكنولوجيا ليست حلاً بحد ذاتها، لكنها أداة. والذكاء الحقيقي، ليس في الحساسات التي تضيء، بل في السياسات التي توازن بين الكفاءة، والعدالة، والكرامة الإنسانية.

مشاركة



عن المقال

  • يحيى السيد عمر