مشاركة

في غمرة صراعٍ أبديٍّ على النفوذ، وعلى ضفاف نهر الأورونت، وتحديدًا في عام 1259 قبل الميلاد، دارت رحى معركة لم تكن كغيرها.

ليست مجردَ مواجهةٍ عسكريةٍ، بل كانتْ نقطةَ تحوُّلٍ… لحظةً صَمَتَ فيها صوتُ السُّيوفِ، وبدأَ فيها صوتُ السياسةِ. لحظة وضعتْ أولَ لَبِنَةٍ في طريق التَّحالُفات الدولية.

نتحدّث هنا عن معركة قادش، الصدام الأسطوري بين أعتى قوتين في الشرق القديم: جيش الفراعنة بقيادة رمسيس، وإمبراطورية الحيثيين بقيادة ملكهم خاتوشيلي.

معركة لم يربح بها أحد، لكنها غيّرت موازين كل شيء!

فمن رحم هذا الصدام، وُلدت أول وثيقة تاريخية لما نعرفه اليوم بـ”الدفاع المشترك”.

هذه المعركة لم تنتهِ بانتصار دموي، بل بمعاهدة سلام وصداقة.

المعاهدة تضمنت بندًا قد يبدو بأنه مألوف: “إذا تعرَّض أحد الطرفين لهجوم، فسيقف الآخر إلى جانبه!”

وهذا هو ما نراه اليوم في حلف الناتو؟

تحالفات تُبنى فوق خوف مشترك، وقرارات يُفترض أنها تحمي الجميع.

اليوم، ونحن نشهد ما يجري في شرق أوروبا، وتحديداً الحرب الروسية الأوكرانية، ومع تصاعد الاضطرابات السياسية والاقتصادية العالمية، صار السؤال يطرح نفسه بقوة: هل تغيرت طبيعة التحالفات؟ وهل ما زالت أدوات الحماية… تستحق ثمنها؟

في خضم هذه التطورات، قررت دول الحلف، وخصوصًا القريبة من روسيا، زيادة الإنفاق الدفاعي في عام 2022م نتيجةً للحرب في أوكرانيا.

وشهد عام 2024 أكبر قفزة سنوية حتى الآن في الإنفاق الأوروبي والكندي، بواقع 19.4% مقارنة بعام 2023.

لكن هذه الزيادة لم تمر مرور الكرام…

فقد أثَّرت على حياة الناس مباشرة في منطقة اليورو:

تراجع متوسط الأجور الحقيقية بنحو 4%.

وأسعار الغذاء شهدت زيادات كبيرة، تتراوح من 30% إلى 75% خلال عامين فقط.

وفي فرنسا، فواتير الكهرباء والغاز ارتفعت بنحو 35%.

ومع استمرار الاستقطاب، واستجابةً لمطالبة الرئيس الأمريكي ترامب، وافق قادة دول حلف الناتو في قمة لاهاي الأخيرة على رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035.

واتفقوا على مراجعة هذا القرار عام 2029، مع إضافة دعم مباشر لأوكرانيا ضمن الفاتورة.

لكن ليس الجميع على وفاق…

رفضت إسبانيا القرار، والتبرير بأنه ذلك سوف يشكل عبء على الميزانية العامة، وسيؤثر بالسلب على الخدمات والتعليم والصحة، ورح يرفع الضرائب المفروضة على المواطنين.

السؤال هنا، هل فعلاً كل دول الناتو تفي بالتزاماتها الدفاعية السابقة؟ وإذا في تقصير… كيف عم يلتفوا عليه؟

للمفارقة، هناك 14 دولة من أصل 32 لم تصل حتى الآن إلى نسبة 2% المطلوبة في عام 2024!

وأبرزها: كندا، إيطاليا، بلجيكا، إسبانيا، لوكسمبورغ، النرويج، هولندا، وتركيا.

 

وفي الوقت الذي تعاني فيه كثير من دول الناتو من تضخم في ميزانياتها الدفاعية، وتأثير واضح على الخدمات الأساسية، بنشوف دولًا مثل إيطاليا تستخدم حيلة ذكية لتجنب رفع نسبة الإنفاق الدفاعي فعليًا، عن طريق إدخال بنود مثل الحرس الساحلي والشرطة المالية ضمن الميزانية الدفاعية.

خلاصة الأمر، اليوم، دول الناتو عم ترفع إنفاقها العسكري بشكل كبير، بس مو كل الدول قادرة تمشي بنفس السرعة.

دول مثل إسبانيا والبرتغال وبلغاريا ورومانيا عندها ميزانيات محدودة، والمشكلة مو بفكرة الدفاع، بل من الذي سيدفع الثمن.

لما يُطلب منها تقتطع 5% من ناتجها المحلي للجيش، هذا الشي يعني مليارات أقل لمجالات أساسية مثل الصحة، التعليم، والنقل.

يعني بكل بساطة: طفل يمكن ما يلاقي حضانة، ومريض ممكن يستنى شهور حتى يعمل فحص، وطلاب رح يتأثروا بجودة التعليم.

فالتحالفات العسكرية ما بتكون مجرد أرقام بتقارير رسمية، هي قرارات لها تأثير مباشر على حياة الناس اليومية.

مشاركة



عن المقال

  • يحيى السيد عمر