في الثمانينيات، حين كانت الحرب الأهلية تَفتك بلبنان، دُمِّرت البلاد، وعندما بدأت مرحلة إعادة الإعمار تلقَّت بيروت مساعدات ودعم مالي من الشرق والغرب، من الخليج وأوروبا، من أمريكا ومنظمات الأمم المتحدة.
كانت كلّ طائفة تتلقى دعماً باسم “إعادة الإعمار”، وكل زعيم يَحْظَى بمساعدات يُوزِّعها على أبناء طائفته، وكلّ سفارة تُوزِّع مساعداتها ضمن حسابات دقيقة. لكن بدلاً من أن تُوحِّد هذه المساعدات البلاد، عمَّقت انقسامها. وبدلاً من أن تُعيد بناء الاقتصاد، كرَّست زعامات الحرب، وأبقتِ البلادَ رهينةَ مَصالح الخارج. وفي النهاية غدا لبنان بلداً مُدمَّراً، غارقاً في الديون، فاقداً لقراره السيادي، يَتسوَّل الدَّعْم من نفس الجهات.
المساعدات الدولية، التي يُفتَرض أنها أداة للنَّجاة، قد تتحوَّل لأداة للتبعية السياسية والاقتصادية وحتى الثقافية.
تقوم المساعدات الأجنبية، في جَوْهرها، على مفهوم بسيط: دُوَل غنية تَدْعم دُوَل فقيرة؛ لمساعدتها على النهوض. لكنّ الواقع، مثل ما بيقول الفيلسوف الفرنسي جان بودريار، ليس دائماً انعكاس صادق للفكرة. الدعم الذي يَحْمل وعوداً بالتحرُّر، غالباً ما يُخْفِي قيوداً خفية، لا تَقِلّ خطورةً عن الاستعمار العسكري.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، بادرت الولايات المتحدة بإطلاق “خطة مارشال” لإعادة إعمار أوروبا الغربية. هذه الخطة حقَّقت نجاحاً ملحوظاً، لكنّها كانت مُوجَّهَة لدولٍ تمتلك مؤسسات متماسكة، ونُخباً سياسية ذات قَدْر من الاستقرار والكفاءة.
لكن الأمور اختلفت تماماً حين انتقلت المساعدات نحو بلدان “الجنوب العالمي”، في إفريقيا وأمريكا اللاتينية. هناك، كانت المساعدات تُضَخُّ في بيئات مُنْهَكَة، تعاني من هشاشة الدولة، وفساد النُّظُم. وبدلاً من أن تُسْهِم تلك الأموال في التنمية، أسهمت في إعادة إنتاج الفشل، وتثبيت أنماط من الاعتماد والعَجْز بدل النُّهوض والتَّحرُّر.
من هنا، بدأت ملامح التَّبعيَّة الاقتصادية تتَّضح. الدول التي بتتلقَّى المساعدات صارت تَبني ميزانياتها على ما يأتي من الخارج، وليس على ما تُنتجه في الداخل. ومع الزمن، أصبح التخطيطُ بعيدُ المدى شيء صعباً؛ لأن الدعم مربوط دوماً بشروطٍ متقلبةٍ. كلّ حكومة تتولى المنصب تُحاول إرضاء المانحين، لا مواطنيها.
الدول التي تعتمد بنسبة ٤٠٪ من ميزانيتها على معونات خارجية. هل يمكن لهذه الحكومة أن تضع سياسة اقتصادية تُحقِّق مصالح الشعب، بالتأكيد لا، لأنَّ التهديد الدائم بإيقاف المساعدات، أصبح سلاحاً صامتاً يُستخدَم لفَرْض خيارات مُحدَّدة، من نوع افْتَح أسواقك، خَفِّض الضرائب على الشركات الأجنبية، قَلِّل الدعم على الخبز. وبهذا تكون، المساعدات لم تعد أداة إنقاذ، بل أداة تحكم.
ما يزيد من خطورة المشهد هو تدخُّل المؤسسات الدولية، التي تُقدِّم وصفات جاهزة لكل الدول، وكأن الصومال مثل الأردن، أو مثل بوليفيا. تَوصيات صندوق النقد مثلاً، غالباً ما تبدأ بخصخصة القطاع العام، تَحْرير السوق، وخَفْض الإنفاق الاجتماعي. وبدل ما تَدْعم المساعدات بناء مؤسسات وطنية قوية، تَزيد من هشاشة الدول وضَعْف الاقتصاد.
بالرغم من التجارب الفاشلة، لا تزال نفس السياسات تُكرَّر. والسبب أنَّ التَّبعية الاقتصادية مُرْبِحَة للبعض. شركات استشارية، بنوك كبرى، منظمات دولية، كلهم مستفيدون من أزمات الدول، وكلَّما طالت الأزمة؛ زادت الحاجة لمساعدات جديدة، وقروض جديدة، وخطط إنقاذ جديدة.
رواندا من الدول القليلة اللي خرجتْ عن القاعدة، واللي رغم تلقّيها مساعدات، نجحت بخلق نموذج قائم على إدارة فعَّالة، ومكافحة الفساد، والاعتماد على الذات.
وهنا الفرق: المشكلة ليست في المساعدة، بل في كيف ولمَن تُعْطَى، وبأيِّ شروطٍ… إذا لم ترتبط المساعدات بتمكين المجتمعات من التحكُّم بثرواتها، ستبقى مُجرَّد مُسكِّن لتخدير الألم، غير قادر على معالجة حقيقية للأزمات.
خلاصة الأمر: قد لا يكون الحل في قطع المساعدات، بل في إعادة تعريفها. الدعم الحقيقي لا يُمْلَى من الخارج، بل يُبْنَى من الداخل. والمجتمعات لا تَنْهَض بالهِبَات، بل بالعمل والإنتاج والُمحافَظة على الكرامة والسيادة، وبأن تقول “لا” حين يلزم الأمر.