دَور الاقتِصاد الإسلاميّ في بِناء نِظام نَقديّ إنسانيّ عادِلٍ

شَارِك المَقَال

هذه مقتطفات من ورَقة عِلميّة لي بِعُنوان “دَور الاقتِصاد الإسلاميّ في بِناء نِظام نَقديّ إنسانيّ عادِل” قُدِّمت في المُؤتَمَر الدَّوليّ الثّالِث للأكاديميّة الأُورُوبّيّة لِلتَّمويل والاقتِصاد الإسلاميّ (إيفي) تَحت عُنوان “نَحو نِظام نَقديّ إنسانيّ عادِل.

 

تَناوَلَت الوَرَقة عِدّة مَحاوِر أهَمّها دِراسة وتَحليل النِّظام الاقتِصاديّ الرَّأسِماليّ تَحليلا عِلميًّا مُحايِدًا، مُوَضِّحة سَلبيّات هذا النِّظام وأثَرِه على التَّفاوُت الاقتِصاديّ والاجتِماعيّ بَين دُوَل ومُجتَمَعات العالَم، كَما تَناوَلَت خَصائِص الاقتِصاد الإسلاميّ ودَورِه في تَحقيق العَدالة الاقتِصاديّة والاجتِماعيّة كما قَدَّمَت عِدَّة تَوصيات قابِلة لِلتَّطبيق.

 

يَقُوم النِّظام الرَّأسِماليّ على جُملة خَصائِص أهَمُّها: تَعزيز النَّزعة الاستِهلاكيّة، وتُعتَبر الشَّرِكات العابِرة للقَوميّات أهَمّ أدَوات تَعزيز هذه النَّزعة، ومن خَصائِصِه أيضًا اعتِماد التَّمويل بِشَكل رَئيس على الاقتِراض، والاعتِماد على الفائِدة كَضَمان وحيد لِلرِّبح المَصرِفيّ، وانتِشار السَّحب على المَكشُوف والمُتاجَرة بِالمَخاطِر وغَيرِها من الخَصائِص.

 

يُعاني الاقتِصاد العالَميّ في ظِل النِّظام الرَّأسِماليّ من أزَمات مُستَمِرّة، فَقَلَّما يَخلُو عَقد واحِد من أزمة ماليّة تَعصِف بِالاقتِصاد العالَميّ، فَمن أزمة عام 1866م مُرُورًا بِأزمة الكَساد الكَبير عام 1929م ولَيس انتِهاءً بِأزمة الرَّهن العَقاريّ عام 2008م، وكَّل هذه الأزَمات خَلَّفَت ورائِها أزَمات اجتِماعيّة وتَفاوُت طَبَقيّ واقتِصاديّ واجتِماعيّ.

 

تَبدُو مَظاهِر الخَلَل في الاقتِصاد العالَميّ في ظِل النِّظام الرَّأسِماليّ في عِدّة وُجُوه، مِنها التَّبايُن الحادّ في مُعَدَّلات الفَقر والغِنَى، فَعَدَّد الفُقَراء في العالَم يُقَدَّر ب 900 مِليُون شَخص، وإلى جانِب هذه الأعداد الضَّخمة من الفُقَراء يُوجَد عَشَرات فاحِشي الثَّراء، فَوَفقًا لِقائِمة ” فُوربِس ” لِأثرياء العالَم فَإن قيمة ثَروة 15 شَخصًا في العالَم تَتَجاوَز 2,000 مِليار دُولار أمريكيّ، وهذا الرَّقم يَفُوق مُوازَنة دُوَل عِدّة مُجتَمِعة.

 

في ظِلّ النِّظام الرَّأسِماليّ تَمّ تَقسيم العالَم لِدُوَل مُتَقَدِّمة غَنيّة وأُخرَى مُتَخَلِّفة فَقيرة، دُوَل مُنتِجة وأُخرَى مُستَهلِكة، كما يُعاني في ظِل هذا النِّظام مِئات مَلايين البَشَر من البِطالة، فَنِسبة البِطالة تَبلُغ أكثَر من 5,42%، كَما يُعاني الأفراد والدُّوَل في ظِلِّه من تَذَبذُب قيمة العُمُلات مِمّا يُعيق تَطبيق السّياسات الاقتِصاديّة ويُؤَدّي إلى إعادة تَوزيع الثَّرَوات بِشَكل غَير عادِل.

 

إنّ النِّظام الرَّأسِماليّ قاد العالَم إلى مَظاهِر التَّوَحُّش الاقتِصاديّ، وعَزَّز الحُرّيّة الاقتِصاديّة بِدُون ضَوابِط، فالغاية كَسب الرِّبح بِغَض النَّظَر عن الوَسيلة، فالنِّظام الرَّأسِماليّ في جَوهَرِه يُعتَبر شَكلًا من أشكال ” الميكافيليّة ” والَّتي تَقُول بِأنّ الغاية تُبَرِّر الوَسيلة، وهذا ما دَعّم شَرائِح اجتِماعيّة على حِساب السَّواد الأعظَم من المُجتَمَع.

 

وَفْقًا للوَرَقة فَإنّ الاقتِصاد الإسلاميّ يَقُوم على جُملة خَصائِص تُمَكِّنه من تَحقيق العَدالة الاقتِصاديّة والاجتِماعيّة، ومن هذه الخَصائِص العالَميّة والشُّمُوليّة والتَّوازُن بَين مَصلَحة الفَرد والمُجتَمَع والواقِعيّة والتَّوازُن بَين المادّيّة والرُّوحيّة، فالنِّظام الاقتِصاديّ الإسلاميّ يُبقِي الفَرد والدَّولة في تَوازُن بحَيث لا يَسقُط الفَرد ولا الدَّولة في أُسَر الرَّهبانيّة ولا في قَيد الشَّهوانيّة المادّيّة.

 

يَقُوم الاقتِصاد الإسلاميّ في مَبادِئِه إضافة إلى المَبادِئ الاقتِصاديّة على مَبادِئ أخلاقيّة تَضْمَن العَدالة الاجتِماعيّة والاقتِصاديّة، كَتَحريم الغِش والتَّدليس وتَحريم المُقامَرات القائِمة على الغَرَر والتَّوَقُّع، وتَحريم المُبالَغة في الدَّيْن بدُون عُذر اقتِصاديّ.

 

قَدَّمَت الوَرَقة عِدّة اقتِراحات لِمُعالَجة الخَلَل الحاصِل في النِّظام الاقتِصاديّ ومن أهَم الاقتِراحات الَّتي قَدَّمَتها إصدار عُملة إسلاميّة مُوَحَّدة، وهذه العُملة لا يَنبَغي أن تَكُون كَغَيرِها من العُمُلات من حَيث الجَوهَر، فَبَعض الاقتِراحات السّابِقة دَعَت لِدينار إسلاميّ مُوَحَّد، ولَكِنَّه كَغَيرِه من العُمُلات يَشتَرِك مَعَها في الجَوهَر ويَختَلِف في الاسم والشَّكل فَقَط.

 

تَرَى الوَرَقة أنّ أزمة العُمُلات مَوجُودة مع وُجُود النِّظام الرَّأسِمالي، إلّا أنَّها تَعَزَّزَت وتَفاقَمَت بَعد فَكّ ارتِباط الدُّولار بِالذَّهَب عام 1971م أو ما يُعرَف بِصَدمة نيكسون، فقَبْل هذه الصَّدمة كانَت العُمُلات مُرتَبِطة بِالذَّهَب بِعَلاقة غَير مُباشِرة، وكان يُشتَرَط لإصدار كُل 35 دُولارًا أنْ يَتَوفَّر رَصيد ذَهَبيّ بوَزْن أُونِصة 31,1 غِرام 24 قيراط.

 

وبَعد هذه الصَّدمة تَمّ قَلب المَعايير، فالذَّهَب كان المِعيار الأساس والدُّولار مِعيار مُقارَن، بمَعنَى أن الدُّولار كان يُقارَن بِالذَّهَب، ولَكِنْ بَعدها تَحَوَّل الدُّولار لِمِعيار أساس والذَّهَب لِمُقارَن، فَبات الذَّهَب سِلعة عاديّة تُحَدِّد قيمَته بِناء على الدُّولار، وبات الاقتِصاد العالَميّ بِرُمَّتِه مَرهُونًا بِاستِقرار الدُّولار، وبَدَأت عُمُلات العالَم في التَّذَبذُب وارتَفَع دُون سِعر الفائِدة كَمُؤَشِّر اقتِصاديّ رَئيس.

 

باتَت العُمُلات في ظِل نِظام التَّعويم لَها قيمة سُوقيّة، وفَقَدَت قيمَتها الذّاتيّة، وقيمَتها السُّوقيّة تُحَدَّد بِناء على العَرض والطَّلَب وانتَشَرَت تِجارة العُمُلات كشَكْل من أشكال المُضارَبة وأدَّى هذا الأمر لِإعادة تَوزيع الثَّرَوات بَين الأفراد والدُّوَل بِطَريقة غَير عادِلة، ومن هُنا أتَت فِكرة العُملة الإسلاميّة المُوَحَّدة كَعِلاج لهذه المَشاكِل.

 

تَقتَرِح الوَرَقة إصدار عُملة إسلاميّة مُوَحَّدة مُختَلِفة عن العُمُلات الحاليّة، فاليُورُو تَمّ إصدارُه كَعُملة جامِعة للاتِّحاد الأُورُوبّيّ إلّا أنَّه عُملة تَقليديّة ولَمْ يَنجَح في إخراج اقتِصاد الاتِّحاد الأُورُوبّيّ من عَباءة الدُّولار، فَهو عُملة جَديدة في الشَّكل والاسم وتَقليديّة من حَيث الجَوهَر والمَضمُون وهذا ما تَسعَى الوَرَقة لِعِلاجه.

 

تَقُوم فِكرة العُملة المُوَحَّدة على إيجاد عُملة إسلاميّة جَديدة تَكُون مُغَطّاة بِشَكل كامِل أو جُزئيّ بِالذَّهَب، بِحَيث يَتِمّ رَبطها بالذَّهَب بِعَلاقة مُباشِرة، ولا يُسمَح بِصَك أيّ عُملة جَديدة دُون وُجُود رَصيد ذَهَبيّ مُقابِل، ويُمكِن لِتَفادي ازدِواجيّة الإصدار تَأسيس بَنك مَركَزيّ إسلاميّ يَتَوَلَّى عَمَليّة إصدار العُملةِ.

 

مُساهَمة كُل دَولة إسلاميّة في العُملة المُوَحَّدة تَكُون وفقًا لِعِدّة مُؤَشِّرات كَرَصيدِها من الذَّهَب وحَجم ناتِجِها المَحَلّيّ الإجماليّ وغَيرِها من المُؤَشِّرات ذات الصِّلة، ويُمكِن البَدء في هذه التَّجرِبة على الصَّعيد الحُكُوميّ كَأن تَكُون عُملة تَبادُل للحُكُومات فَقَط كَمَرحَلة تَجريبيّة، على أن تَنتَقِل لاحِقًا لتَكُون عُملة عامّة.

 

تَمنَح العُملة الإسلاميّة المُوَحَّدة في حال تَطبيقِها مَزايا عِدّة لِلدُّوَل الإسلاميّة، أهَمّها التَّخلُّص من التَّبَعيّة لِلدُّولار وضَمان استِقرار العُمُلات المَحَلّيّة وتَشكيل نَواة تَكَتُّل اقتِصاديّ إسلاميّ، وحِماية اقتِصاد الدُّوَل الإسلاميّة من استيراد الأزَمات الماليّة.

 

يَمتَلِك العالَم الإسلاميّ مَزايا اقتِصاديّة عِدّة تَزيد من فُرَص نَجاح فِكرة العُملة المُوَحَّدة، فالنّاتِج المَحَلّيّ الإجماليّ للعالَم الإسلاميّ يَقتَرِب من 5,000 مِليار دُولار، ويَمتَلِك 57% من احتياطيّ النِّفط، ولَدَيه 1,700 طُنّ من الذَّهَب.

 

تَصطَدِم فِكرة العُملة الإسلاميّة المُوَحَّدة بِعِدّة عَقَبات أهَمُّها انخِفاض مُستَوَى التَّبادُل التِّجاريّ البَينيّ بَين دُوَل العالَم الإسلاميّ وارتِفاعها مع العالَم الغَربي، غَلَبة الاقتِصاد الرّيعيّ على نِسبة كَبيرة من الدُّوَل الإسلاميّة، مِمّا يَجعَلُها في حاجة مُستَمِرّة للغَرب المُنتِج، إضافةً لدُخُول بَعض الدُّوَل الإسلاميّة في شَراكات اقتِصاديّة قَد تُعَرقِل الفِكرة، كالشَّراكة الأُورُوبّيّة المُتَوَسِّطيّة على سَبيل المِثال.

 

تَقتَرِح الوَرَقة أيضًا الاستِغناء التَّدريجيّ عن مُؤَشِّر سِعر الفائِدة، واستِبداله بمُؤَشِّر جَديد يَكُون جامِعًا لِعِدّة مُؤَشِّرات، بِحَيث يَتَقاطَع في الفِكرة مع مَبدَأ سَلّة العُمُلات، بِحَيث يَضُمّ عِدّة مُؤَشِّرات فَرعيّة لِكُلّ مِنها وزْن نَوعيّ يَتَناسَب مع أهَمّيَّتها وتَكُون قيمة المُؤَشِّر التّامّة 10 دَرَجات، وتُعطَى كُلّ دَولة مُؤَشِّرًا يَتَناسَب مع قُوَّتِها الاقتِصاديّة.

 

إنّ كُلّ المُحاوَلات لِتَحسين النِّظام الرَّأسِماليّ باءَت بالفَشَل، فَهو قائِم في جَوهَرِه على الاستِغلال الطَّبَقيّ، فَإصلاح الشَّكل لا يَنفَع مادام الجَوهَر فاسِدًا، فالحَلّ بِالاستِبدال، وهُنا لا تَدعُو الوَرَقة لِلاستِبدال الفَوريّ التّامّ، بَلْ تَدعُو لاستِبدال تَدريجيّ مُمَنهَج يَتِمّ وَفْق خُطُوات مَدرُوسة ومُتَسَلسِلة تَحمي الاقتِصاد العالَميّ من أيّ رَدّات فِعل قَد تَهُزُّه.

 

شَارِك المَقَال