شَارِك المَقَال

نجحت المقاومة الفلسطينية بعد انسحاب إسرائيل من قطاع غزة عام 2005 في بناء منظومة ردع صاروخي ضد إسرائيل. ونجحت منظومة الردع هذه في محطات عديدة في تكبيد الاحتلال الإسرائيلي خسائر عسكرية قاسية. ولكن قلّما ينظر لأثر هذه المنظومة على اقتصاد الكيان الإسرائيلي. فهل أثرها محدود بالجانب العسكري، أم أن لها أثرًا اقتصاديًّا ضاغطًا على إسرائيل؟

 

التكلفة الاقتصادية للحرب

يعتبر مصطلح التكلفة الاقتصادية للحرب من المصطلحات المرتبطة بالعلوم العسكرية والاقتصادية على حدٍّ سواء. وازدادت أهمية هذا المصطلح عقب التطور التكنولوجي المتسارع الذي لحق بالأداة العسكرية. لا سيما في ظل ارتفاع تكاليف تصنيع السلاح وتكاليف الحرب الإلكترونية وغيرها من أدوات الحرب.

 

بات السياسيون والعسكريون على حدٍّ سواء يهتمون بالتكلفة الاقتصادية لأي حرب. فالنصر العسكري في ظل خسائر اقتصادية كبيرة وتكاليف باهظة من شأنه إفراغ أي نصرٍ من معناه الحقيقي. ومن جهة أخرى قد يحول هذا النصر لهزيمة تامة. ولعل في حرب روما مع قرطاجة قبل الميلاد تكريس واضح لهذا المفهوم عندما قيل عقب انتصار روما: “ربحت روما، لكن خسر الرومان”.

 

صواريخ المقاومة الفلسطينية في غزة وتكلفة الحرب

لا يختلف اثنان على أن لصواريخ المقاومة الفلسطينية أثرًا عسكريًّا ونفسيًّا كبيرًا على الكيان الإسرائيلي. ويظهر هذا الأثر على مستويين، مستوى الأثر الاقتصادي المباشر ومستوى الأثر الاقتصادي غير المباشر.

 

فيما يتعلق بالأثر المباشر لصواريخ المقاومة لا بد من الإشارة إلى فشل القبة الحديدية الإسرائيلية في اعتراض الصواريخ. فوفقًا لتقارير إعلامية وعسكرية فإن تكلفة الصاروخ الفلسطيني الواحد لا تتعدى 3,000 دولار كحد أعلى. في المقابل تبلغ تكلفة صاروخ الاعتراض الإسرائيلي الواحد 150 ألف دولار.

 

إن اعتراض صاروخ فلسطيني واحد يحتاج لإطلاق عدة صواريخ اعتراضية من منظومة القبة الحديدية. وهذا يعني أن اعتراض صاروخ واحد لا تتجاوز تكلفته 3,000 دولار، قد يحتاج لأكثر من نصف مليون دولار. وهذا ما دفع البعض للقول بأن أثر الصواريخ التي يتم اعتراضها قد يكون أقسى على إسرائيل من تلك التي لم يتم اعتراضها.

 

تقدر تكلفة الطلعة الجوية الواحدة لكل طيارة حربية إسرائيلية لقصف قطاع غزة بـ 10,000 دولار أمريكي. وبحساب تكاليف الطلعات الجوية وتكاليف صواريخ القبة الحديدة يمكن القول بأن تكاليف الحرب الإسرائيلية خلال أول يومين بلغت 50 مليون دولار أمريكي. بمعنى أن تكلفة اليوم الواحد تبلغ 25 مليون دولار. وفي حال استمرت الحرب عشرين يومًا ستبلغ التكلفة العسكرية نصف مليار دولار.

 

سببت صواريخ المقاومة الفلسطينية خلال أول يومين من الحرب دمارًا جزئيًّا أو كاملًا بأكثر من 2,500 شقة سكنية وسيارة. وعلى افتراض أن تكلفة ترميم كل منشأة متضررة يبلغ 5,000 دولار فقط، فستكون الخسائر اليومية الناجمة عن الصواريخ الفلسطينية 5 مليون دولار.

 

تقول وزارة المالية الإسرائيلية في تقرير لها إنه وفي حال استمرار الحرب قد تصل التكلفة المباشرة للحرب لعدة مليارات. وهذا ما سيضع الاقتصاد الإسرائيلي المنهك أساسًا أمام تحدٍّ جديد وقد يؤثر على الأداء الاقتصادي العام في البلاد.

 

التكلفة غير المباشرة لصواريخ المقاومة الفلسطينية

سببت صواريخ المقاومة الفلسطينية ضررًا واضحًا على الاقتصاد الإسرائيلي، ويمكن وصف هذا الضرر بالأُسِّيّ. بمعنى أنه يزداد كل يوم أكثر من الضعف، وسبب هذا الأثر الأُسِّيّ كون الأنشطة الاقتصادية مترابطة. وتعطل أي نشاط يؤثر بشكل واضح على مختلف وجوه الاقتصاد الأخرى.

 

سببت صواريخ المقاومة تراجع أداء بورصة تل أبيب بنسبة 1,56% على أساس يومي في ظل حركة بيع واضحة تشهدها البورصة. كما سببت الصواريخ أيضًا تراجع الشيكل الإسرائيلي بنسبة 1,4% أمام الدولار الأمريكي، وهذا ما يهدد المكاسب الأخيرة التي حققها الشيكل.

 

أدت صواريخ المقاومة الفلسطينية لإغلاق 25% من المعامل الإسرائيلية القريبة من قطاع غزة، وتعمل باقي المصانع بطاقة إنتاجية جزئية. وهذا ما يسبب خسائر اقتصادية تقدر بأكثر من 50 مليون دولار يوميًّا، فاتحاد المصنعين الإسرائيليين يقول: إن خسائر الاقتصاد الإسرائيلي في ثلاثة أيام فاقت 160 مليون دولار.

 

أعلنت الحكومة الإسرائيلية إغلاق مطار بن غوريون أمام الملاحة الجوية. وهذا ما يعني خسائر تقدر بمئات الملايين من الدولارات سيتكبدها قطاع النقل الجوي. وفي ذات الصدد تقول تقارير مالية إسرائيلية: إن حجم المبيعات اليومي في إسرائيل تراجع بقيمة 42 مليون دولار، وهو ما يشكل تهديدًا بشلل جزئي للاقتصاد الداخلي الإسرائيلي.

 

الآثار الاقتصادية بعيدة الأجل على الاقتصاد الإسرائيلي

كل ما سبق بيانه من خسائر اقتصادية سببتها صواريخ المقاومة الفلسطينية يمكن وصفها بالخسائر المرحلية أو الآنية. إلا أن هناك خسائر أخرى طويلة الأمد وأكثر ضررًا على الاقتصاد ولكن لا يمكن ملاحظتها في المدى المنظور. ومنها على سبيل المثال تراجع الاستثمارات الأجنبية الوافدة إلى إسرائيل ناهيك عن هجرة الاستثمارات الحالية.

 

تأتي الخسائر الاقتصادية الإسرائيلية في وقت اقتصادي عصيب على إسرائيل. فعائدات السياحة تراجعت في عام 2020 بنسبة 81%. وفي الوقت الحالي من المتوقع أن تشهد السياحة تعطلًا تامًّا، الأمر الذي يعني زيادة الضغوط على الموازنة العامة الإسرائيلية التي تشهد أساسًا ضغوطًا غير مسبوقة.

 

يعاني الاقتصاد الإسرائيلي أسوأ أزمة اقتصادية منذ حرب أكتوبر عام 1973، فالمكتب الإحصائي الإسرائيلي يقول: إن الاقتصاد الإسرائيلي تراجع بنسبة 28% عام 2020، وحقق الناتج المحلي الإجمالي تراجعًا في الربع الثاني من العام السابق بلغ 28,7%. وفي ظل هذه الظروف يبدو الأثر الاقتصادي لصواريخ المقاومة الفلسطينية يفوق بأضعاف أثرها العسكري.

 

لا يمكن الجزم بخسائر إسرائيل الاقتصادية قبل نهاية الحرب. ولكن وقياسًا على الخسائر الاقتصادية التي سببتها ذات الصواريخ عام 2014 والتي قدرت تكلفتها آنذاك بأكثر من 9 مليارات دولار. والتي قدرت حينها بأكثر من 1,5% من حجم الناتج المحلي الإسرائيلي الإجمالي؛ يمكن القول: إن التكلفة في هذه الحرب ستكون أضعاف تكلفة حرب 2014.

 

إن الخسائر الإسرائيلية التي سببتها الصواريخ الفلسطينية عام 2014 أتت في وقتٍ كان الاقتصاد الإسرائيلي معافى، ولم تكن هذه الصواريخ بهذه القوة التدميرية. فبعد سبع سنوات على حرب عام 2014 تمكنت المقاومة الفلسطينية من زيادة قدراتها، الأمر الذي سينعكس زيادة على الخسائر الإسرائيلية.

 

الخسائر الإسرائيلية بين الواقع والتضليل

تمتلك المقاومة الفلسطينية أدوات إعلامية متواضعة نسبيًّا، وهذا ما يجعلها غير قادرة على إيصال وتسويق الآثار الاقتصادية لصواريخها على الاقتصاد الإسرائيلي. وفي ذات الوقت تمتلك إسرائيل أدوات إعلامية فائقة التطور. وهنا يظهر عجز الإعلام الرسمي العربي وغيابه عن هذه القضية.

 

إن الآثار الاقتصادية لأي حرب لا تقل أهمية عن الآثار العسكرية، والآثار الاقتصادية يتضاعف أثرها من خلال العبء النفسي الذي تفرضه على الأفراد. فالأثر الاقتصادي لصواريخ المقاومة من شأنه فرض ضغوط سياسية داخلية على حكومة نتنياهو، والذي بات مستقبله السياسي مهددًا نتيجة صواريخ المقاومة الفلسطينية.

 

تعتبر التكلفة الاقتصادية لأي حرب من العوامل الحاسمة في تحديد نتيجتها النهائية، ولهذا يمكن القول وبشكل مسبق بأن الآثار الاقتصادية لصواريخ المقاومة نجحت حتى الآن في فرض وجودها على نتيجة الحرب. وهنا لا بد من الإشارة إلى الفجوة الهائلة بين التسليح الإسرائيلي والفلسطيني، ولكن وعلى الرغم من هذه الفجوة كان للصواريخ الفلسطينية كلمتها.

شَارِك المَقَال



عن المقال


الأكثر قراءة خلال هذا الأسبوع