شَارِك المَقَال

لأوَّل مرَّة منذ ما يُقارب العامَيْن؛ قام المركزيّ التُّركيّ برَفْع سِعْر الفائدة من 8,5% إلى 15% دفعةً واحدةً، وهو ما يُعدّ انتقال السِّياسَة النَّقديَّة للمركزيّ التُّركيّ إلى النَّقيض تماماً؛ الأمر الذي قد يُؤثِّر على مختلف المُؤشِّرات الاقتصاديَّة التُّركيَّة.

 

أسباب رَفْع سِعْر الفائدة التُّركيَّة

خلال العامين الفائتين أصرَّت الحكومة التُّركيَّة على اعتماد سياسة نقديَّة توسعيَّة لمعالجة التَّضخُّم، والتي تقوم في جَوْهرها على خَفْض سِعْر الفائدة، وخلال الأشهر الأُولَى من هذا العام أدَّت هذه السِّياسَة لخَفْض التَّضخُّم من 85% إلى أقلّ من 40%؛ لكنَّها لم تُحقِّق نتائج إيجابيَّة على مستوى سِعْر الصَّرْف والاستثمارات الأجنبيَّة.

 

سياسة خَفْض سِعْر الفائدة حقَّقَت نتائج إيجابيَّة في قطاعات مُحدَّدَة وسلبيَّة في أخرى، حاليًّا وفي بداية الولايَّة الرئاسيَّة الجديدة للرئيس أردوغان، هناك سَعْي لتعزيز صورة السِّياسَة النَّقديَّة التُّركيَّة أمام المستثمرين الأجانب، وخاصَّةً لناحية استقلاليَّة البنك المركزيّ عن السُّلْطَة السِّياسيَّة.

 

عانت تركيا خلال السَّنتين السَّابقتين من تَراجع تصنيفها الائتماني نتيجة التَّدخُّلات السِّياسيَّة في عمل المصرف المركزيّ، والإقالات المُتكرِّرة لمحافظي المركزيّ؛ حاليًّا وفي ظلّ تعيين إدارة ماليَّة جديدة تتمثَّل بـ محمد شيشميك وزيرًا للماليَّة، وحفيظة غاية أركان مُحافِظَة للبنك المركزيّ، وهو إشارة لتغيير في السِّياسَة النَّقديَّة التُّركيَّة.

 

الاجتماع الأوَّل للمركزيّ التُّركيّ برئاسة غاية أركان كان رسالةً للخارج باستقلاليَّة البنك المركزيّ التُّركيّ، وعدم وجود أيّ تدخُّلات سياسيَّة في عَمَله.

 

نتائج رفع سعر الفائدة

توقَّعت العديد من مراكز الأبحاث الغربيَّة قيام المركزيّ التُّركيّ برَفْع سِعْر الفائدة إلى 20 أو 25%، إلا أنه خالف التَّوقُّعات ورفَعها إلى 15% فقط، وهذا الأمر قد يكون لامتصاص الصَّدْمة الاقتصاديَّة النَّاتجة عن تغيير السِّياسَة النَّقديَّة التُّركيَّة.

 

مِن المُفتَرض أن يُؤدِّي رَفْع سِعْر الفائدة إلى تَحسُّن في قيمة اللِّيرَة، لكنَّها تراجعت إلى 24,6 ليرة مقابل الدولار، وبذلك تكون خَسِرت ما يقارب من 5% من قيمتها فَوْر صدور قرار رَفْع سِعْر الفائدة.

 

تراجُع سِعْر صَرْف اللِّيرَة بعد قرار الرَّفْع يعود إلى أنَّ سعر الفائدة تمَّ رَفْعه إلى أقلّ بكثير من المُتوقَّع، ويبدو أنَّ الحكومة التُّركيَّة كانت في صورة هذا الأمر، لذلك قامت الشَّهر الفائت برفع الحَدّ الأدنى للأجور والرواتب بنسبة 45%، وذلك بهدف امتصاص تأثير رَفْع سعر الفائدة على القيمة الحقيقيَّة للأُجُور.

 

مِن المُتوقَّع خلال الأيام القادمة أن تَعُود اللِّيرَة التُّركيَّة إلى مستوياتها السَّابقة، وفي ظلّ استمرار رَفْع سعر الفائدة، قد تتحسَّن قيمتها ويتراجَع التَّضخُّم.

 

مِن المُتوقَّع أن يُؤثِّر قرار الرَّفْع على زيادة الأعباء الاقتصاديَّة على الأُسَر التُّركيَّة في المدى القصير، خاصَّةً لناحية زيادة أقساط القُرُوض الاستهلاكيَّة، كما سيُؤثِّر بشكلٍ نِسْبيّ على تَراجُع الإنتاج الاقتصاديّ نتيجةَ ارتفاع تكلفة التَّمويل، وقد تتراجَع مُعدَّلات نُمُوّ الاقتصاد التُّركيّ، ولكنَّ هذه الآثار قد تَتراجَع حِدّتها حال دَخُول رؤوس الأموال الأجنبيَّة إلى البلاد.

 

توقُّعات سعر الفائدة والاقتصاد التُّركيّ

من خلال قرار الرَّفْع يبدو أنَّ الحكومة التُّركيَّة أعطت الأولويَّة التَّامَّة لمُعالَجَة التَّضخُّم، مُقابل تَراجُع أولويَّة قضايا أخرى، لذلك من المُتوقَّع أن يستمرّ رَفْع سعر الفائدة بوتيرة مُرتفِعَة في الاجتماعات القادمة للمركزيّ التُّركيّ، حتى يصل إلى 25%؛ وعندها سيتم تقييم الأثر على التَّضخُّم، وتحديد مستوى التَّغيير المُستقبَلِيّ.

 

من المُتوقَّع أيضًا أن تتحسَّن قيمة اللِّيرَة التُّركيَّة، وتتحسَّن القيمة الحقيقيَّة للأجور، لكنْ في ذات الوقت مِن المُتوقَّع تراجُع مُعدَّل النُّمُوّ الاقتصاديّ، ومِن المُتوقَّع أيضًا أن تزداد البَطَالة بنِسَب ضئيلة، وأن يَتراجع مُعدَّل التَّضخُّم.

 

الآثار السَّلبيَّة المُرافِقَة لرَفْع سعر الفائدة من المُمْكِن التَّخفيف من حِدّتها من خلال دَعْم اقتصاديّ للقطاعات المُتضَرِّرَة، عمومًا السِّياسة الجديدة للمركزيّ التُّركيّ تقوم على الأولويَّة المُطْلَقَة لاستهداف التَّضخُّم، ولاحقًا العمل على مُعالَجة الآثار السَّلبيَّة.

 

إنَّ انتقال السِّياسَة النقديَّة التُّركيَّة من النَّقيض إلى النَّقيض يُعزِّز من التَّذَبْذُبَات الحادَّة في سياسة المركزيّ التُّركيّ، وقد يُؤثِّر على ثقة المستثمرين بمُستقبَل الاقتصاد التُّركيّ، إلَّا في حال قامت الحكومة التُّركيَّة بإجراءات تكسب ثقة المستثمرين.

شَارِك المَقَال