شَارِك المَقَال

تعتبر قناة السويس التي تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط من أهم الممرات المائية في العالم. فهي إحدى أهم الشرايين التجارية في منظومة التجارة العالمية. وهذا ما يجعل من خروجها عن الخدمة ضررًا بالغًا للاقتصاد العالمي برمته. وهذا ما يلاحظ حاليًا من خلال جنوح سفينة الحاويات اليابانية في القناة، فما تأثير هذا الإغلاق على الاقتصاد العالمي؟

 

أهمية قناة السويس

قناة السويس واحدة من الطرق الرئيسة عالميًا. إذ تربط بين أوروبا وآسيا وإفريقيا، وتسافر عبرها نحو 50 سفينة يوميًا تحمل نحو 3 ملايين طن من البضائع. معظمها سائلة مثل: الغاز الطبيعي المسال والنفط والحاويات. وفي كل عام تسافر ما يقرب من 20 ألف سفينة في الممر المائي الاصطناعي (200 كيلو متر).

 

يمر من قناة السويس نحو 12% من حجم التجارة العالمية. فاجتازها العام الماضي (2020م) 18.880 سفينة تحمل أكثر من مليار طن من البضائع. ما يجعلها نقطة مرور أساسية. وبعد التوقف تنتظر الآن عشرات السفن -بما في ذلك ناقلات نفط-، وتم تغيير مسار الكثير من السفن الأخرى.

 

وتتمثل أهمية قناة السويس في أنها تعتبر أقصر ممر تجاري بين الشرق والغرب. فقبل شقها في منتصف القرن التاسع عشر كان على القوافل التجارية البحرية الدوران حول إفريقيا عن طريق رأس الرجاء الصالح. وبعد شق القناة تم اختصار المسافة للثلث تقريبًا.

 

أثر جنوح سفينة “إيفر جيفن”

تسببت سفينة “إيفر جيفن”، إحدى أكبر سفن الحاويات في العالم، الجانحة داخل قناة السويس في مصر. في إغلاق مؤقت لقناة السويس “الممر البحري الحيوي بين آسيا وأوروبا”، وتوقف العمل فيها بشكل مؤقت. مما سبب آثارًا اقتصادية بالغة الخطورة على المستوى العالمي.

 

يؤدي كل يوم من توقف العمل في قناة السويس إلى تعطيل مرور أكثر من 9 مليارات دولار من البضائع. والتي يمكن ترجمتها إلى نحو 400 مليون دولار في الساعة، هذا إلى جانب أن تغيير مسار السفن إلى رأس الرجاء الصالح لأكثر من أسبوع من الإبحار يحتاج تكاليف ضخمة زمنيًا وماليًا.

 

في حال تعذر فتح قناة السويس سريعًا قد تضطر شركات الشحن لتوجيه سفنها نحو رأس الرجاء الصالح في طرف إفريقيا، ما يضيف 14 يومًا و5 آلاف ميل بحري إلى الرحلة. ويترجم عمليًا لارتفاع رسوم الشحن وارتفاع كبير في أسعار البضائع المشحونة إلى أوروبا من آسيا، وفي مقدمتها السيارات ومواد البناء ومعدات الحماية الشخصية من “كورونا”.

 

مع إغلاق قناة السويس قفزت أسعار النفط العالمية، وارتفعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط وخام برنت بأكثر من 4%؛ فحصار القناة عقدة كبرى في استمرار تدفقات النفط، وتسليم الإمدادات، فمن أصل 39.2 مليون برميل نفط خام يتم شحنها عن طريق البحر يمر من قناة السويس 1.74 برميل. بمعنى أن قناة السويس ممر لحوالي 4.4% من حجم تجارة النفط العالمية.

 

تسببت واقعة السفينة “إيفر جيفن” في احتجاز ما لا يقل عن 150 سفينة حتى الآن مع وجود بضائع بقيمة 29 مليار دولار. إضافةً إلى ذلكفقد تأخرت سبع سفن على الأقل تحمل 6.3 مليون برميل من النفط الخام، اثنتان في اتجاه الشمال خلف السفينة العالقة، وخمسة متجهة جنوبًا، أي أن هذه السفن السبع تحمل ما يعادل أكثر من 403 مليون دولار.

 

آثار استمرار إغلاق قناة السويس

إذا بقيت “إيفر جيفن” عالقةً حتى نهاية الأسبوع؛ فإن ثلاث سفن أخرى تحمل 2.5 مليون برميل من النفط تبلغ قيمتها نحو 160 مليون دولار، ستنضم لقائمة الانتظار من الجنوب. أي أنه سيكون هناك 10 سفن تنتظر جنوب قناة السويس، بالإضافة لخمس تتجه جنوبًا إلى آسيا عالقة في الشمال.

 

الآثار الاقتصادية السلبية لإغلاق قناة السويس تتضاعف وسط تكهنات بأن إزاحة سفينة الحاويات “إيفر جيفن” قد تستغرق أسابيع عدة، كما يتزامن هذا الاضطراب مع توتر سلاسل التوريد العالمية بالفعل بسبب تفشي جائحة “كورونا- كوفيد 19”.

 

من المتوقع أن تكون التكلفة الحقيقية لتوقف العمل في قناة السويس أعلى بكثير؛ لأن التأخير في السلع الحيوية سيتسبب في خسائر كبرى للشركات في جميع أنحاء العالم، ما يعني أن الأخطار التي تتعرض لها التجارة العالمية “هائلة للغاية”. إضافةً إلى ذلك فإن بعض المواد المشحونة قد يصيبها التلف نتيجة التأخر مما سيضاعف الآثار السلبية.

 

تتعدد أنواع البضائع المتأخرة نتيجة إغلاق القناة، فمنها سلع استهلاكية كالأغذية وغيرها، ومنها سلع إنتاجية كالنفط والغاز. لذلك يتوقع جراء تأخر وصول السلع الإنتاجية حدوث تأثير على الإنتاج العالمي، وتزداد هذه الآثار السلبية كون الاقتصاد العالمي لم يتعاف حتى الآن بشكل كامل من تبعات الإغلاق الاقتصادي عقب كورونا.

 

ظروف الإغلاق والجهود المصرية

تقول السلطات المصرية: إن جنوح السفينة سببه الظروف الجوية السيئة، وهذا ما قللت من مصداقيته بعض المواقع المتخصصة بالملاحة البحرية؛ فبعض الخبراء يقولون بأن الظروف الجوية لم تكن بذلك السوء الذي يتسبب في جنوح سفينة عملاقة بهذا الحجم. لا سيما أن خط حركة السفينة قبيل الجنوح يشير إلى أن الجنوح يفترض أن يكون في اتجاه مغاير. ولذلك تعهدت السلطات المصرية بفتح تحقيق حول أسباب الجنوح الحقيقية.

 

تبذل السلطات المصرية وفرق الإنقاذ البحرية، جهودًا لتحرير السفينة “إيفر جيفن”، لكن هذه الجهود لم تسفر عن نتائج ملموسة حتى الآن. وهنا يلاحظ بدائية الوسائل التي تتبعها السلطات المصرية في إعادة تعويم السفينة الجانحة.

 

انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صورًا لمعدات هندسية ضئيلة الحجم تسعى لإنقاذ السفينة. مما أثار موجة سخرية عالمية شعبية ورسمية على طريقة تعاطي السلطات المصرية مع الكارثة. وقال البعض بأن: “مشهد الآلات المصرية يماثل نملة تحاول إنقاذ فيل”.

 

قد تكون الإمكانات المصرية أصغر من أن تعالج مشكلة عالمية بهذا الحجم، لذا لا بد من الاستعانة بجهود دول أخرى. والغريب هنا أن السلطات المصرية رفضت عرض العديد من الدول للمساعدة. كهولندا وتركيا وأمريكا على سبيل المثال. وهذا ما يثير شكوكًا وتساؤلات حيال هذا الرفض. فهل من مصلحة مصر استمرار الإغلاق. على الرغم من أن وارداتها من القناة تعتبر متوقفة.

 

إذا لم تنجح عمليات إزاحة السفينة “إيفر جيفن” باستخدام قاطرات السفن عند ارتفاع المد، فسيتعين إزالة الحاويات لتخفيف الحمل وإعادة تعويمها، وهذا يرفع العدد الإجمالي للسفن المحملة بالبضائع في طابور الانتظار لعبور قناة السويس لأكثر من 150 سفينة.

 

حتى بعد تحرك “إيفر جيفن” ستستمر التداعيات الاقتصادية للإغلاق لفترة غير قليلة، فمثلًا بعد إعادة العمل قد تصل السفن الراغبة في العبور في وقت واحد مما يؤدي لاختناقات مرورية جديدة، لذا ستحتاج جداول الشحن القديمة إلى إعادة تنظيمها من جديد وفقًا لأوضاع السفن الموجودة الآن في المكان الخطأ.

شَارِك المَقَال