شَارِك المَقَال

قبل كل شيء السويد/الدنمارك/كندا/بريطانيا/اليابان والصين وربما تضم القائمة دولاً أخرى ستختفي فيها العملة الورقية لصالح المعاملات الرقمية ربما بحلول 2030. فالدفع الإلكتروني عبر الهاتف الأكثر شيوعاً في الكثير من دول العالم. وبطاقات الائتمان باتت الخيار الثاني في دول مثل الصين والبرازيل وكولومبيا. والسؤال هنا: التضخم و”كورونا” والحرب التجارية بين بكين وواشنطن.. هل تسطر كلمة “النهاية” للعملات الورقية؟

 

كيف أثرت المعاملات الرقمية على النقود السائلة؟

في الواقع البلدان السابقة وغيرها تتوسع في مجال المعاملات الرقمي على حساب النقود السائلة. فمثلاً الصين تتوسع يوماً بعد آخر في مجال التجارة الإلكترونية والدفع الرقمي عبر منصات كبرى ومتقدمة. وفي السويد هناك متاجر ترفض التعامل بالعملات النقدية. بل إن غالبية السويديين لا يتعاملون الآن بالدفع النقدي.

 

كذلك اتخذت الهند خطوات مهمة نحو إقرار العملات الرقمية وإكسابها الشعبية بين مواطنيها على حساب النقود الورقية. فقررت الحكومة في عام 2016م إلغاء طبع وتداول العملة من فئة 500 وألف روبية. حيث تسعى الحكومة لكبح المعدلات المتزايدة للجريمة الإلكترونية وغسيل الأموال وتفعيل قانون الضرائب.

 

من جهة أخرى ذكرت صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية أن لجنة الأسهم العامة في فرنسا وضعت هدفاً “صفر نقدية” بحلول 2022. تحديداً ذلك الهدف ترغب فيه أيضاً السويد والصين وفرنسا. بالتالي تراجع استخدام العملات النقدية المعدنية والورقية لصالح العملات الرقمية التي أخذت في الصعود في تبادلها.

 

بالتالي قد يكون التوجه للمعاملات الرقمية بالفعل نتيجة منطقية لبيئة العمل متسارعة التغير. زيادة على ظهور أنماط جديدة للتسوق والتعامل المالي بين الأفراد والمؤسسات. كل هذه الأنماط تتجه للعملات الرقمية. بحكم أنها الأقل تعقيداً والأسرع في التحويل والاستخدام والأكثر ملائمةً لأسلوب الحياة الراهن.

 

ما العلاقة بين اختفاء النقود واستمرار موجات التضخم؟

لكن ذلك لا يمنع أن قرب اختفاء النقود يرتبط باستمرار موجات التضخم التي تضرب غالبية دول العالم. علاوة على فقدان النقود قيمتها يوماً بعد آخر. خاصةً أن دول العالم تسجل ارتفاعاً متنامياً في معدلات التضخم ما يهدد بكساد كبير ومخاوف من خروجها عن السيطرة. بالأخص بعد الارتفاع الهائل في أسعار الطاقة والغاز.

 

في الواقع أزمة التضخم العالمي بدأت في التنامي عالمياً مع اشتعال الحرب التجارية القائمة بين الولايات المتحدة والصين وحرب العملات بينهما. فالصين تصر على إبقاء عملتها المحلية “اليوان” عند مستوى منخفض عن قيمتها بما يصل لـ20% تقريباً من سعرها الحقيقي. ما يشعل غضب واشنطن وحلفائها الغربيين.

 

وفي إطار الحرب التجارية المشتعلة بينها وبين أوروبا والولايات المتحدة تريد الصين لمنتجاتها أن تغزو الأسواق العالمية بأسعار مخفضة وجودة متنامية. حتى تسبق غيرها من السلع الأمريكية والأوروبية واليابانية. لذلك تطالب هذه الدول الصين برفع سعر اليوان مقابل عملاتها الدولار واليورو والين.

 

من هنا وفي سياق حرب العملات هذه بين المارد الصيني وواشنطن واليابان وأوروبا. لا تكتفي بكين فقط بخفض قيمة عملتها المحلية. وإنما تشتري -وفقاً لما نشرته صحيفة “الاقتصادية”- ما متوسطه مليار دولار يومياً. بهدف تجفيف الأسواق من الدولار وإبقاء سعره مرتفعاً. بينما يظل سعر عملتها “اليوان” منخفضاً.

 

كيف أثرت أزمات سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة على العملات الورقية؟

بصفة عامة تعمّقت مؤشرات التضخم العالمي بعد أزمة كورونا وتداعياتها السلبية الخطيرة على سلاسل الإمداد والتوريد وأسعار الطاقة والوقود. فالغاز في أوروبا سجل ارتفاعات 500%. وارتفعت أسعار سلع بنسبة 15:30% في بعض الدول. ومن المتوقع ارتفاع نسب التضخم لمستويات قياسية قد تصل بالعالم لـ”الركود التضخمي”.

 

نتيجة لذلك فإن غالبية التوقعات ترى أن التضخم لن يختفي قريباً. خاصةً في ظل أزمات سلاسل الإمداد والتوريد وارتفاع أسعار السلع الاستراتيجية. وتضاعف الطلب على السلع بعد انتهاء فترات الإغلاق الاقتصادي في غالبية الدول. واستمرار عمليات التحفيز النقدي في الدول الكبرى مع تباطؤ معدلات نمو الاقتصاد.

 

ومن ثم بالنظر إلى استمرار أزمات التضخم وجائحة كورونا وغيرهما من الأزمات الاقتصادية العالمية الأخرى. علاوة على تواصل حرب العملات بين الصين والغرب والتي اقتحمت السياسة النقدية في كل دول العالم. فإن الخطوة التالية المتوقعة -بحسب خبراء الاقتصاد- هو إقرار العملة الرقمية عالمياً وإلغاء العملة الورقية.

 

من ناحية أخرى لا توجد دلائل على أن التضخم سيختفي قريباً وسط أزمات سلاسل الإمداد والتوريد. خصوصاً مع ارتفاع أسعار السلع الأولية وزيادة الطلب بعد انتهاء الإغلاق واستمرار عمليات التحفيز النقدي. ومن المحتمل تباطؤ معدلات نمو الاقتصاد وربما تؤدي إلى مزيد من اشتعال الأسعار.

 

لهذا السبب هذا الحل يراه الخبراء منطقياً. لأن العملات الورقية أكثر تأثراً من الرقمية بصولات وجولات الحرب التجارية القائمة. زيادة على الآثار السلبية للتغيرات المستمرة في قيم الدولار والين واليوان واليورو ستكون أكثر قوة على العملات التقليدية. وبالتالي تكون العملات الرقمية الملاذ الآمن من حرب العملات.

 

مع ذلك هناك آراء أخرى ترى إمكانية استمرار العملات النقدية. فبعض الضغوط التضخمية المباشرة بدأت في الانخفاض. وعلى مدى 10 سنوات مقبلة يمكن للحكومة الأمريكية الاقتراض بسعر فائدة حقيقي يقترب من الصفر. في إشارة لتماسك الاقتصاد الأقوى عالمياً وإمكانية المحافظة على النظام النقدي التقليدي كما هو.

 

في النهاية لا يمكن إغفال أن إلغاء النظام النقدي والاعتماد التام على نظام التداول الرقمي يجعل الوضع الاقتصادي. وخاصةً للدول النامية هشاً تماماً ومصدر قلق للكثير من فئات المستهلكين. بينما في المقابل يظل استخدام النقدية نظاماً ديمقراطياً عميقاً لا يفرق بين فئة وأخرى ومقبولاً من جميع الفئات.

شَارِك المَقَال