شَارِك المَقَال

في عام 1977، اندلعت مظاهرات غاضبة في شوارع القاهرة فيما عُرِفَ لاحقاً بـ”انتفاضة الخبز”. والسبب أن الحكومة قرَّرت رَفْع أسعار السلع الأساسية استجابةً لشروطِ صندوق النقد الدولي، بينما بقيت الرواتبُ على حالها.

 

لكنَّ الغريب أنَّ تلك اللحظة ليست شيئاً من الماضي. بل يبدو أننا نعيشها مُجدَّداً… فقط بشكلٍ صامتٍ.

الرواتبُ في كثير من دول العالم العربي اليوم لا تكفي. ليس لأنها منخفضة فحسب؛ بل لأن قيمتها تتآكل يوماً بعد يوم، بصمت وهدوء، دون أن ننتبه كيف فقدت كثيراً من قيمتها الاقتصادية.

 

الأرقام لا تعكس ما في الجيوب

لنرجع خطوة للوراء. البنك الدولي يقول: إن الناتج المحلي في منطقة الشرق الأوسط والدول العربية نما بنسبة 1.9% في 2024، ومن المتوقَّع أن يصل إلى 2.6% في نهاية العام 2025. لكن ماذا يعني هذا للمُواطِن؟ لا شيء تقريباً؛ لأن الأرقام لا تعكس ما في الجيوب. الناس لا تعيش على الناتج المحلي، بل على ما تبقَّى من الراتب بعد دفع الفواتير.

 

زيادة معدلات التضخم وضعف القوة الشرائية

في الواقع، ما يَحْدُث في أغلب البلدان العربية هو تضخُّم سريع يقابله راتب ثابت أو يزيد بنسبة ضئيلة، إن زاد أصلاً. منظمة العمل الدولية تُؤكّد أن 45% من 160 دولة التي شملها تقريرها، ومنها دول عربية، تُسجِّل دُخولاً أدنى من مُعدَّل التَّضخُّم. هذه الفجوة بين الأجر والأسعار، هي ما يمتصُّ الدَّخْل الحقيقيّ للأُسَر.

 

خُذْ دولة الإمارات مثلاً: بحسب استطلاع Bayt وYouGov، ارتفعت نسبة مَن يرون أن رواتبهم غير كافية من 61% خلال عام واحد فقط. في بلدٍ يُعتَبر من أكثر الدول استقراراً اقتصادياً في المنطقة.

 

أما في مصر، فالقصة أوضح؛ فبعد تعويم الجنيه في 2016، دخلت البلاد دوَّامة تضخُّمية. وارتفع التضخم في بعض الفترات إلى أكثر من 30%، فيما بقيت الرواتب تُقاس بالجنيه ثابتة بدون زيادات توازي معدلات التضخم. والنتيجة تراجع القوة الشرائية بشكلٍ حادّ، دون أن تعوّضها الزيادات الاسمية.

 

وفي لبنان، لا يحتاج الأمر إلى شرح؛ فالليرة فقدت أكثر من 98% من قيمتها منذ 2019، والناس تُدْفَع لهم رواتبهم بالعُمْلة المحلية، لكنَّ الأسعار تُقَدَّر بسعر الدولار في السوق السوداء. والنتيجة دَخْلٌ شِبْه معدوم، حتى لو بدا كبيراً على الورق.

 

ثم هناك السودان، واليمن، وتونس… دول تتفاوت الأزمات فيها، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: الرواتب لم تعد تكفي حتى لتأمين الحاجات الأساسية.

 

لماذا أصبحت الرواتب لا تكفي؟

السؤال الذي لا يُطرح كثيراً: من المسؤول عن الرواتب لا تكفي؟ والجواب هناك أسباب كثيرة:

أولاً: التَّضخُّم لا يُعالَج بمجرد إعلان رقمي، بل بحاجة إلى سياسات تربط الأجور بمعدلات الغلاء. لكن هذا نادراً ما يَحْدُث.

 

ثانياً: السياسات النيوليبرالية، أدَّت إلى فتح الأسواق، تقليص الدعم، خصخصة المرافق… كلّ هذا أضعف دخل الطبقة الوسطى، وجَعَلها أكثر عُرْضة للتقلبات.

 

ثالثاً: انهيار العملات المحلية؛ ففي ظل الاعتماد على الاستيراد، يصبح كلّ تراجُع في قيمة العملة بمثابة ضريبة غير مُعلَنة على المواطن.

 

رابعاً: بطء استجابة الحكومات. حتى في دول غنية نسبياً، كالسعودية والإمارات، لا تُفعَّل زيادات الرواتب بنفس سرعة ارتفاع الأسعار.

 

خامساً: غياب العدالة في توزيع النموّ. نعم، بعض الدول تنمو اقتصادياً. لكن إلى أين يذهب هذا النمو؟ هل يذهب إلى الأجور؟ أم إلى الأرباح؟ أم إلى فئات مُحدَّدة من رجال الأعمال؟

 

والأخطر أن هذه المعادلة لا تبدو مؤقتة؛ فالاعتماد على التحويلات الخارجية، والدعم الاستثنائي، لا يُعالِج أصل المشكلة؛ أن الراتب لا يُواكِب تكلفة الحياة.

 

الخلاصة: ما يحدث في المنطقة ليس مجرد أزمة رواتب، بل أزمة توزيع دَخْل، وأزمة رؤية اقتصادية. الرواتب لا تكفي؛ ليس لأنَّ المُوظَّف يطلب أكثر مما يستحقّ؛ بل لأن النظام مِن حوله يسمح للأسعار أن تقفز، دون أن يتحرَّك المقابل.

 

ما لم تُرْبَط الأجور بمؤشرات حقيقية للغلاء، وتُحمَى القدرة الشرائية بقوانين وسياسات، سيظل الراتب مجرد رقم، يتبخَّر في منتصف الشهر

شَارِك المَقَال