شَارِك المَقَال

مُوافَقة تركيا الأوَّليَّة على انضمام السويد إلى النّاتو يُشَكِّل بداية مرحلة جديدة من العلاقات التُّرْكيَّة الغربيَّة، لكنَّه في ذات الوقت لا يعني أبدًا الابتعاد عن المعسكر الشَّرقيّ وتحديدًا روسيا، فتركيا تسعى من خلال هذه التَّطوُّرات لتعزيز موقعها بين الشَّرق والغرب، وتحقيق توازن استراتيجيّ في علاقاتها، يَضْمن لها مقعدًا مُتقدِّمًا في النِّظام الدّوليّ الجديد.

 

المشهد الدّوليّ الجديد

لم تُعْطِ أنقرة مُوافَقة نهائيَّة على انضمام السويد للناتو، بل أحالت القضيَّة إلى البرلمان التركيّ، ومُوافَقَة الأخير تتطلَّب مدة زمنيَّة أقصاها 45 يومًا، وهذا ما أكَّد عليه الرئيس أردوغان، من خلال القول بأنَّ هذه المدَّة ستكون فُرصة لاختبار نوايا الغرب.

 

انضمام السّويد إلى النّاتو يُشكِّل نصرًا استراتيجيًّا للغرب، من خلال نجاحه في تَوسعة المظلَّة السِّياسيَّة والاقتصاديَّة للحلف، وفي ذات الوقت يَفْتح الباب أمام المفاوضات لانضمام تركيا للاتِّحاد الأوروبيّ، وهو ما يُشكِّل بداية لرسم ملامح نظام دوليّ جديد سيكون لتركيا فيه مَقْعد مُتقَدِّم.

 

المكاسب التُّرْكيَّة من التَّطوُّرات الأخيرة

تمكَّنت تركيا من الحصول على مكاسب كبرى مقابل مُوافقتها على انضمام السويد للناتو، أُولَى هذه المكاسب الحصول على اعترافٍ سياسيّ من الغرب بأنَّ تركيا تعاني من الإرهاب وتُحاربه، إضافةً لحصول أنقرة على تَعهُّد من السويد بمُحارَبة التَّطرُّف والإرهاب وعدم دَعْم التَّنظيمات التي تُصنِّفها تركيا إرهابيَّة، لا سيَّما وحدات الحماية الكرديَّة في سوريا.

 

المكسب الأهمّ دَعْم جهود تركيا للانضمام للاتِّحاد الأوروبيّ، فتَعهَّدت السويد بدَعْم هذه الجهود، وذات الأمر مِن قِبَل الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، ومن المُتوقَّع خلال الأشهر القليلة القادمة أن يتمّ التَّوصُّل لاتفاق بتحرير تأشيرات دخول الأتراك إلى الاتِّحاد الأوروبيّ، وتحديث العلاقات الجُمركيَّة مع الاتِّحاد الأوروبيّ.

 

تزويد الولايات المتَّحدة تركيا بطائرات أف 16 يُعدّ مِن المَكاسِب التُّرْكيَّة، فوزارة الخارجيَّة الأمريكيَّة أعلنت تأييدها حصول تركيا على هذه الصَّفْقَة، خاصَّةً أنَّه بإمكان الرئيس بايدن تمرير الصَّفْقَة دون الحاجة لمُوافَقَة الكونغرس.

 

تركيا تسعى لتحقيق التَّوازُن في علاقته مع الغرب؛ فلا تريد أن تكون جزءًا منه، ولكنَّها ترغب في علاقة أكثر صِحَّة وعقلانيَّة واستدامة معه، كما أنَّها تريد مكانة مُمَيَّزَة في الاتِّحاد الأوروبيّ يسمح لها بأنْ تكون جزءًا من آليَّة الأمن في الاتِّحاد.

 

المَوْقف الرُّوسيّ من التَّطوُّرات

صحيحٌ أنَّ تركيا تشهد تقاربًا مع الغرب، لكن لا يعني ذلك التَّخلِّي عن علاقاتها الوثيقة مع روسيا، لكنَّها مُجرَّد جُزْء من طموح تركيا لتنشيط العلاقات الخَامِلَة مع الغَرْب، وتحديث العلاقات الجمركيَّة مع الاتِّحاد الأوروبيّ وتحرير التَّأشيرات.

 

روسيا من جانبها لا ترى أنَّ تلك الخطوة من جانب تركيا تُمثِّل ابتعادًا عن موسكو، وانجرافًا نحو الغرب، ولكنَّه مُجرَّد وفاء بالتزاماتها كعضو في حلف شمال الأطلسيّ بشأن السويد، كما أنَّ موسكو تسعى لاستمرار علاقة تبادل المنفعة مع أنقرة على الرَّغم مِن “كل الخلافات”.

 

ترى روسيا في تركيا حَلقة وَصْل مع الغرب، فهي الوسيط في صَفَقة تصدير الحبوب الأوكرانيَّة عبر البحر الأسود، كما ساعدت في اتفاقيَّات تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، وهي جهود يُقدِّرها بوتين جيدًا، خاصَّةً أنَّ الكرملين حَرِيص على بناء مَرْكز جديد في تركيا لتصدير الغاز الرُّوسيّ؛ كما أنَّ عدم إعطاء مدًى زمنيّ لانضمام أوكرانيا للناتو يُشَكِّل نوعًا من التَّرضية لموسكو.

 

إتمام هذه الصَّفْقَة مُتعدِّدَة الأطراف (تركيا، الاتِّحاد الأوروبيّ، حلف النَّاتو، الولايات المتَّحدة، روسيا) يعني تَشْكيل نظام عالَميّ جديد، يبدو فيه قَدْر أكبر من الرِّضا بين جميع أطرافه.

شَارِك المَقَال