شَارِك المَقَال

انعقد في مدينة بروكسل مؤخرًا المؤتمر الدولي للمانحين في نسخته الخامسة، وذلك بهدف حشد الدعم الدولي للقضية الإنسانية في سوريا. واختتم المؤتمر أعماله بعد تحقيق جزء كبير من أهدافه المعلنة، فهل بالفعل سيرى السوريون نتائج هذا المؤتمر على حياتهم اليومية؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون فعالية دولية لا تختلف عما سبقه؟!

 

نتائج المؤتمر الدولي للمانحين في أرقام

أعلنت منظمة الأمم المتحدة أن هدف المؤتمر هو جمع 10 مليارات دولار لدعم السوريين، وقسمت المنظمة التمويل المطلوب إلى قسمين رئيسين؛ الأول للاستجابة الإنسانية في الداخل السوري وتبلغ قيمته 4.2 مليار دولار، أما الثاني فلدعم اللاجئين السوريين في الخارج ودعم المجتمعات المضيفة، وتبلغ قيمته 5.8 مليار دولار.

نجح المؤتمر في جمع ما يقارب 6.6 مليار دولار، لكن هذا المبلغ موزع على الدعم الإنساني لعامي 2021 و2022. فتم جمع 4,4 مليار دولار لعام 2021م، و2,1 مليار لعام 2022م. وهذا الرقم يقترب من المبلغ المجموع في النسخة الرابعة من المؤتمر عام 2019م.

 

فاعلية المنح الدولية على الواقع السوري

تمثل المبالغ المصرح عنها في المؤتمر فرصةً جيدةً لدعم المؤشرات الإنسانية للسوريين في الداخل والخارج. ولكن تشير التجارب السابقة مع المنح الدولية إلى انخفاض حاد في الفاعلية على الأرض. وهذا ما يجعل السوريين لا يتفاءلون بدرجة كبيرة حيال هذه الأرقام الضخمة.

النسخة الرابعة من المؤتمر نجحت في جمع 4.9 مليار يورو مخصصة لعام 2020م، ولكن هل نجح المؤتمر الرابع في تحقيق أهدافه في دعم السوريين. لاستقراء نتيجة المؤتمر الخامس لا بد من دراسة نتائج المؤتمر الرابع، ومحاولة إسقاطها على الواقع الحالي.

تقول التقارير الرسمية للأمم المتحدة بأنه في عام 2020م بلغ عدد السوريين غير الآمنين غذائيًا 9.3 مليون شخص. إضافةً إلى ذلك فإن 13 مليون شخص داخل سوريا وخارجها يحتاجون لمساعدات إنسانية عاجلة. فكيف انعكست المنح الدولية على واقع هؤلاء السوريين.

بعد أقل من عام على جمع المنح المتعلقة بالمؤتمر الرابع للمانحين تفاقمت الأزمة الإنسانية السورية. فوفقًا للأرقام الرسمية للأمم المتحدة فإن أعداد غير الآمنين غذائيًا ارتفعت بمقدار 4.5 مليون سوري. كما أن نسبة من يحتاجون لمساعدات عاجلة ارتفعت لتبلغ 60% من إجمالي عدد السوريين.

هنا لا بد من التساؤل، ما الأثر الذي تركته تبرعات عام 2020م على السوريين. من الواضح ومن خلال أرقام وبيانات الأمم المتحدة أن الأثر يكاد يكون معدومًا، فلم تتمكن المنح من تحسين واقع الأمن الغذائي. ولم تنجح في تحسين أي مؤشر إنساني، بل على العكس من ذلك، فالمؤشرات تزداد سلبية وبسرعة كبيرة.

بإسقاط هذه النتيجة الخاصة بالمؤتمر الرابع للمانحين على النسخة الخامسة منه، يمكن القول بأن النتيجة على الأرض لن تكون أفضل من السابقة. فمعدلات انعدام الأمن الغذائي ستبقى ترتفع، والمجاعة ستبقى تهدد السوريين. ناهيك عن عدم تغير حقيقي في ظروف اللاجئين. لذلك يمكن القول بأن فاعلية مؤتمرات المانحين تكاد تكون معدومةً على أرض الواقع.

 

أسباب انخفاض فاعلية المنح الدولية

تشير العديد من التقارير الدولية المستقلة إلى حالات فساد كبيرة في برامج المساعدات التي تقدمها الأمم المتحدة للسوريين. ففي تقرير لمنظمة هيومان رايتس ووتش إشارة إلى أن الفساد مستشر في مكاتب الأمم المتحدة العاملة في سوريا.

وفقًا للتقرير المذكور فإن موظفي الأمم المتحدة يدعون أن النظام السوري يفرض الحصول على نسبة من المساعدات مقابل السماح بإيصال قسم لبعض المناطق. ويوضح التقرير أن هذا الأمر صحيح. ولكن التقرير يكمل ويقول: بأنه تم جمع بيانات تؤكد أن هذه الاتفاقات كانت مقابل منفعة مادية لموظفي مكاتب الأمم المتحدة.

يقول ذات التقرير بأن فساد مكاتب الأمم المتحدة لا يقتصر على مناطق النظام، بل يتعداها لمناطق سيطرة المعارضة السورية. فجهات محددة تقوم باستغلال المساعدات بالاتفاق مع المسؤولين المحليين في المنظمة.

من مظاهر فساد موظفي الأمم المتحدة في سوريا المبالغة في المصاريف الإدارية. على سبيل المثال بلغت تكاليف الحجوزات الفندقية لموظفي الأمم المتحدة في سوريا عام 2020م أكثر من 7 ملايين دولار، هذا في مدينة دمشق فقط. وهو رقم ضخم جدًا لنفقة الحجوزات. وبررت الأمم المتحدة هذه المبالغة بالنفقات بأنها لاعتبارات أمن الموظفين وعدم تعريضهم للخطر.

تستهلك النفقات الإدارية لمكاتب الأمم المتحدة جزءًا كبيرًا من المنح، الأمر الذي يؤثر على فاعلية العمل الإنساني. كما أن إدخال المساعدات إلى سوريا قد يعرقل من قبل بعض الدول. من خلال فرض بعض الحكومات على الأمم المتحدة شراء مواد غذائية محددة في إطار تجهيز المساعدات الإنسانية الغذائية.

إن اشتراط بعض الحكومات على الأمم المتحدة شراء أنواع غذائية محددة يهدف لتصريف منتجات محددة, إضافةً للاستفادة من هذه الأموال في تحفيز الطلب الكلي في الدول المعنية. وهذا الأمر من شأنه رفع التكاليف غير المباشرة للمساعدات كارتفاع أجور الشحن والنقل وغيرها، والذي سينعكس سلبًا على القيمة الحقيقية للمساعدات.

 

البعد السياسي للمؤتمر الدولي للمانحين

لم تنحصر أنشطة مؤتمر المانحين بالبعد الاقتصادي والإنساني على الرغم من أنه ذو صبغة إنسانية بالدرجة الأولى. فروسيا انتقدت بشدة عدم دعوة النظام للمؤتمر، وهاجمت الولايات المتحدة الأمريكية الطرح الروسي بشدة.

إن انتقال الخلافات السياسية إلى مؤتمر المانحين من شأنه الدلالة على أن أي حديث عن انفراجات سياسية قريبة طرح غير دقيق. ناهيك عن أن هذه الخلافات من شأنها التأثير سلبًا على إدخال المساعدات الإنسانية إلى سوريا. لا سيما أن روسيا وأمريكا يعتبران اللاعبين السياسيين والعسكريين الأهم في سوريا، فتصاعد الخلافات بينهما من شأنه عرقلة الجهود الإنسانية المتواضعة أساسًا.

وفيما يتعلق بالشق السياسي الذي يمكن قراءته من المؤتمر، فمن الملاحظ تراجع الدور العربي بقوة. فالإمارات على سبيل المثال تعهدت بتقديم 30 مليون دولار، وهو رقم متواضع للغاية أمام التعهدات الغربية. وهذا الأمر ينسحب على باقي الدول العربية. ويدل هذا التراجع في التعهدات على تراجع سياسي أيضًا.

ترتبط التعهدات المالية الكبيرة بلعب دور سياسي في سوريا، وإن كان غير مباشر. لذلك يمكن القول بأن التراجع العربي يشير إلى انكفاء عربي عن الحراك السياسي المرتبط بالحرب السورية. وهو ما يمكن تفسيره على أنه تراجع في الآمال المعقودة على وساطة روسية بين النظام وبين دول الخليج العربي.

تشكل القضية السورية أسوأ قضية إنسانية في العالم أجمع، ولكن، وعلى الرغم من فداحتها؛ فما يزال التعاطي الدولي والعربي دون المستوى المطلوب. فهذه المؤتمرات والمليارات التي تجمع لا تغير من الواقع في شيء، فخلال عمر الحرب السورية تم جمع عشرات المليارات لكنها لم تترك أثرًا حقيقيًا على الأرض. لذلك لا بد من تغيير طريقة التعاطي الإنساني الدولي مع هذه الكارثة.

شَارِك المَقَال