شَارِك المَقَال

طوال 53 موسماً احتفت “جائزة نوبل التذكارية في العلوم الاقتصادية” بالكثير من علماء وخبراء الاقتصاد. وهي جائزة سنوية تُمنَح للإنجازات البارزة في علم الاقتصاد. ولم يكن هذا المجال موجوداً منذ تأسيس الجائزة كعلوم الفيزياء والكيمياء والطب والأدب والسلام.. ولكن تم استحداثها عام 1968 في الذكرى الـ300 لتأسيس “بنك السويد المركزي” الذي يموّلها. ومُنِحَت للمرة الأولى عام 1969. ولكن هذه قراءة في “نوبل للاقتصاد” حينما يتجرد العِلم من طابعه الإنساني.. ماذا ينتظرُنا؟

 

ما أبرز الانتقادات الموجهة  لجائزة نوبل في الاقتصاد؟

في الحقيقة إن علماء الغرب والولايات المتحدة الأمريكية على وجه التحديد هم الأكثر حصولاً على جائزة نوبل في الاقتصاد بنسبة 88%. لذلك يُمكِن إدراك لماذا ينتقد البعض هذه الجائزة ومن يُقدمها ومن يحصل عليها؟ ولماذا يرون أن هؤلاء العلماء لم يقدموا للبشرية أو لعلم الاقتصاد سوى مجموعة من المصطلحات المعقدة والطلاسم الحسابية البعيدة كل البُعد عن القضايا الاجتماعية المُلحة على كوكبنا هذا؟ ولماذا يعتقدون أن الفائزين بالجائزة إنما فازوا بها لأنهم دافعوا باستماتة في دراساتهم عن الفكر الإمبريالي الاستعماري الذي يبيح نهب مقدَّرات الأمم الفقيرة واستغلالها لصالح الدول الكبرى وإغراق الأولى في دوامة لا تنتهي من الديون والتبعية للثانية؟

 

بصفة عامة أتفق مع منتقدي الجائزة في ضرورة الربط بين علم الاقتصاد والقضايا الإنسانية والاجتماعية التي تواجهنا. فعلم الاقتصاد كغيره من العلوم الاجتماعية إنما وُجِدَ لخدمة البشر ومساعدة الدول على النمو والاستقرار. ولذلك فإن أي تناول لقضية اقتصادية ينبغي أن يكون في أُطره الإنسانية والاجتماعية والنفسية. فلا يخرج عنها لمجرد استعراض المعلومات والبيانات الجامدة التي لا تعكس من الواقع إلا قليلاً.

 

كيف حدثت طفرة في آليات اختيار الفائزين بالجائزة؟

لكني أرى -وهذا رأي شخصي- أنه رغم وجود محاباة  “غربية-أمريكية” في الاختيار. إلا أن هناك طفرةً ما حدثت في آليات اختيار الفائزين بالجائزة خلال السنوات القليلة الماضية. فمؤخراً (2021) مُنِحَت لثلاثة اختصاصيين في الاقتصاد الاختباري المبني على التجربة. تطرقوا لتحليلات واقعية في مجالات مثل: تأثير الحد الأدنى للأجور والهجرة وقضاء المزيد من السنوات في التعليم على سوق العمل والتربية.

 

وفي 2019 تمحورت الجائزة حول أفضل وسيلة للحد من الفقر في العالم. وفي 2018 كانت الجائزة لدراسة حول دمج تغيُّر المناخ والابتكارات التكنولوجية في تحليل الاقتصاد الكلي على المدى الطويل. وفي 2017 تم اختيار دراسة في أحد مجالات علم الاقتصاد السلوكي (المتقاطع مع علم النفس). والذي يهتم في مُجمله بتحليل القرارات الاقتصادية والمالية للأفراد “مستهلكين.. مقترضين.. مستثمرين”. علاوة على المؤسسات القائمة بوظائف اقتصادية مهمة مثل: البنوك وأسواق المال. من خلال تحليل العوامل الاجتماعية والفكرية وتأثيرها على الأفراد والمؤسسات وتأثير هؤلاء على الأسواق. إضافةً إلى تحليل قرارات العامة وأفراد المجتمع على الصعيد الاقتصادي.

أي أن الاتجاه العالمي العام الآن لم يعُد يؤمن بالتخصُّص البحت في العلم والعمل. بل يرى أن سِمات العالم الذي نعيش فيه الآن هو أن مفرداته المختلفة تتقاطع معاً في كيان واحد متماسك يصعب فصلها بعيداً عن بعضها. فالسياسة تؤثر في الاقتصاد والدين يؤثر في الاجتماع والبيئة تؤثر في السياسة وهكذا. وبات أي مجال الآن يؤثر في الآخر ويتأثر به. وإذا أردنا تحليلاً واقعياً وفعالاً للاقتصاد أو السياسة فيجب أن يكون وفقاً لإطاره الإنساني أولاً وليس إطاره النظري الجامد فقط.

شَارِك المَقَال