شَارِك المَقَال

إعلان الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” أن بلاده أصبحت الاقتصاد الأول في أوروبا. والخامس على العالم من حيث تعادل القوة الشرائية مع الناتج المحلي الإجمالي رغم العقوبات الغربية المفروضة عليها. يعني أن الاقتصاد الروسي تكيف بشكل جيد مع العقوبات الغربية وأصبح أفضل في التعامل معها. فكيف حدث ذلك؟

يمكن تفسير ذلك في عدة نقاط. أهمها الآتي:

أولاً: قبل عام من الآن توقع المحللون الغربيون انكماشاً إجمالياً على مدار عام 2023م. بينما الاقتصاد الروسي نمَا بقوة أكبر من الدول الغربية نفسها مع ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 3٪. بفضل ارتفاع أسعار النفط وزيادة الصادرات إلى الصين والهند.

ثانياً: تضمنت العقوبات انسحاب الشركات الغربية من موسكو. وهو ما فتح مجالات جديدةً أمام الشركات الوطنية في الاستثمار ببلادهم. كما ساعدت الزيادة الهائلة في الإنفاق الدفاعي -بما في ذلك أجور الجنود وتعويضات أسرهم. فضلاً عن تصنيع الأسلحة- في تغذية الطفرة الاقتصادية. خاصةً بالمناطق الفقيرة.

ثالثاً: ما قامت به روسيا عبارة عن تحفيز مالي للحكومة يبلغ حوالي 5% من الناتج المحلي الإجمالي. أي أكثر مما تم تنفيذه خلال جائحة (كوفيد-19). ففي ميزانية 2024م سوف يصل الإنفاق العسكري إلى 6% من الناتج المحلي الإجمالي لأول مرة منذ الحقبة السوفييتية. وهو ما يمثل 39% من الميزانية العامة ويضغط على تمويل الرعاية الصحية والرعاية الاجتماعية.

هذا يعني أنه بدلاً من الانهيار أو الركود فإن المشكلة الأكبر هي أن الاقتصاد يسير “بخطورة”. فقد بلغت البطالة أدنى مستوياتها على الإطلاق (أقل من 3%). وارتفعت الأجور الاسمية بنسبة 15% على أساس سنوي. وارتفع معدل التضخم إلى نحو 8%. مما اضطر البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة لتصل إلى 16%.

رابعاً: دعم الصين والهند و”الأسواق الموازية” التي يتم من خلالها شحن البضائع عبر دول صديقة مثل تركيا وكازاخستان كطرف ثالث غير خاضع للعقوبات. ويمكنه تمرير تلك البضائع بعد ذلك إلى دول أخرى.

لكن هل يتوقع أن تستمر روسيا في هذا المنحنى الصاعد؟

ببساطة لا… فالشواهد الإيجابية السابقة التي وفّرت النمو الاقتصادي لروسيا يقابلها عدد من الشواهد الأخرى التي تدل على انهيار قادم لا محالة. وتتمثل في الآتي:

أولاً: رحيل القوى العاملة والمواهب من روسيا. فمنذ العملية العسكرية في أوكرانيا فرّ ما لا يقل عن مليون عامل من ذوي المهارات العالية من البلاد. وهو ما يمثل حسب بعض التقديرات 10% من إجمالي القوى العاملة في مجال التكنولوجيا في روسيا.

ثانياً: هروب رأس المال. فوفقاً لتقييم البنك المركزي الروسي نفسه تم نقل مبلغ قياسي بلغ 253 مليار دولار من رأس المال الخاص إلى خارج البلاد في الأشهر الستة عشر التي أعقبت الغزو. أي أربعة أضعاف المستوى السابق للتدفقات إلى الخارج.

ثالثاً: تضرر قطاعات رئيسية مثل التكنولوجيا واستكشاف الطاقة بسبب انسحاب الشركات الغربية. فقد اضطرت شركة روسنفت -على سبيل المثال- إلى إنفاق ما يقرب من 10 مليارات دولار إضافية على الإنفاق الرأسمالي. مما يضيف نحو 10 دولارات من التكاليف الإضافية لكل برميل نفط تصدره.

رابعاً: سحب نحو 250 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر. والتوقف شبه الكامل للاستثمارات الأجنبية المباشرة الجديدة إلى روسيا. مقارنةً بنحو 100 مليار دولار سنوياً قبل الحرب. وفقدان القدرة على الوصول إلى أسواق رأس المال العالمية.

في الحقيقة إن ما يقوم به “بوتين” بإظهار الجانب الإيجابي من اقتصاده عبارة عن تلاعب بالأرقام. لكنه في نهاية المطاف لن يستطيع أن يخفي الوجه السلبي للاقتصاد طالما استمرت الحرب والعقوبات الغربية أكثر من ذلك.

شَارِك المَقَال



عن المقال


الأكثر قراءة خلال هذا الأسبوع