شَارِك المَقَال

في الحقيقة تتعدد الأمثلة على استفادة الدول من اقتصاد الكوارث. فألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية خرجت باقتصاد مدمر بالكامل. إلا أنها حصلت على نموّ اقتصادي في أعقاب الحرب اقترب من 9%. مما جعلها قبلة الاستثمار العالمي آنذاك. والسؤال هنا: كيف استفادت الدول من اقتصاد الكوارث؟

 

ما معالم اقتصاد ما بعد الكارثة؟

كما شكَّلت إندونيسيا مثالاً مهمّاً على اقتصاد ما بعد الكارثة. فبعد تسونامي المحيط الهندي 2004م والذي سبَّب دماراً اقتصادياً وأزمة إنسانية عميقة شهدت إندونيسيا نمواً اقتصادياً تجاوز 5%. وعادت خلال فترة قياسية لمركزها كأحد أهم اقتصادات آسيا.

 

بالرغم من اقتران اقتصاد ما بعد الكوارث بالنموّ والانتعاش الاقتصاديّ. إلا أنه غالباً ما يفتقر للعدالة الاجتماعية. كما تتمتع فئات محدّدة من الشعب بهذا النمو مع حرمان لفئات أخرى. وغالباً ما تكون الفئات المتضررة من الكارثة هي الأقل نصيباً من فوائد الانتعاش الاقتصادي.

 

الصومال بلد يعتمد على اقتصاد الكوارث. إلا أن مزايا هذا الاقتصاد تعود لأمراء الحرب. وفي إعصار كاترينا في أمريكا 2005م والذي تسبب بخسائر 108 مليار دولار شهدت ولاية لويزيانا نمواً اقتصادياً في أعقابه بلغ 5%. إلا أن الفجوة بين الأغنياء والفقراء باتت كبيرة.

 

هل يستفيد لبنان من إيجابيات اقتصاد الكوارث؟

فيما يخص لبنان فقد شكلت الكوارث التي مر بها خلال العقود الأخيرة دفعاً لاقتصاده الفقير بالموارد. فلبنان كان مقصداً مهماً للعمالة الخارجية بالرغم من صغر حجمه وافتقاره للعمالة. فكل كارثة كانت تشكل فرصة للاستثمار وإعادة البناء وإنعاش اقتصاده.

 

من جهة أخرى قد لا يستفيد لبنان من إيجابيات اقتصاد الكوارث عقب تفجير ميناء بيروت. فالحالة اللبنانية الراهنة اقتصادياً وسياسياً تشكل عائقاً أمام استفادته من فرص النمو الاقتصادي. فمقارنة الوضع الراهن مع الوضع إبان حرب تموز 2006م والحرب الأهلية يؤكد أن لبنان في وضع لا يُحْسَد عليه.

 

في الوقت نفسه الجهاز المصرفي اللبناني مصاب بشلل شِبه تامّ. ممّا يضعف مساهمته المالية في إعادة الإعمار. إضافة لانخفاض دوره في الوساطة المالية بين الخارج والداخل. فالأزمة الاقتصادية اللبنانية أثرت على دور المصارف اللبنانية في الحياة الاقتصادية لا سيما في ظل أزمة السيولة الخانقة التي تعاني منها.

 

كما أن تخلُّف لبنان عن سداد ديونه الخارجية المستحقة عن العام الجاري. والتي تتجاوز 1.2 مليار دولار جعل من قضية تأمين قرض خارجي أمراً بالغ الصعوبة. لا سيما أن كلفة إعادة الإعمار تتجاوز 5 مليارات دولار. كما أن الاقتراض في حال تم سيكون بشروط قاسية قد تُفْقِد لبنان بعض المزايا المرتبطة بإعادة الإعمار.

 

عدم التوافق الإقليمي والدولي على الحكومة الحالية سيجعل من تمويل إعادة الإعمار أمراً بالغ الصعوبة. لا سيما أن الحصول على التمويل اللازم سيشكل نجاحاً للحكومة وتقوية لموقفها الداخلي. وهذا ما لن تسمح بها القوى الخارجية الفاعلة. وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

 

من ناحية أخرى فرضت الولايات المتحدة الأمريكية على لبنان إما الجوع أو سلاح حزب الله. لذلك من غير المتوقع أن يتم السماح للحكومة الحالية بالاستثمار السياسي للنمو الاقتصادي الناجم عن إعادة الإعمار. وبالتالي قد تضيق الخناق على لبنان كمحاولة لسحب سلاح حزب الله.

 

لذلك من المستبعد أن نشهد في المدى القريب إعادة إعمار لميناء بيروت. ولكن قد نشهد إعادة تأهيل جزئية بحيث لا تتمكن الحكومة من استثماره سياسياً. كما قد يشهد لبنان تلقي إعانات ومساعدات. وقد يتلقى تسهيلات من الولايات المتحدة ذاتها. ولكن تبقى تسهيلات بسيطة دون أن تسهم في تغير حقيقي في واقع الميناء.

 

في النهاية قد لا يُولي اللبنانيون أهمية كبيرة لقضية الانتعاش الاقتصادي في أعقاب كارثة ميناء بيروت. كون غالبية فترات الانتعاش التي أعقبت الكوارث السابقة استفادت منها الطبقة السياسية مع تراجع استفادة الشعب. فغالباً ما يدفع الشعب اللبناني فاتورة الكارثة ويتمتع غيره بمزايا بالانتعاش الاقتصادي.

شَارِك المَقَال



عن المقال


الأكثر قراءة خلال هذا الأسبوع