شَارِك المَقَال

تعد العلاقات التركية الروسية من العلاقات دائمة التذبذب. فهي تتأرجح بين الوفاق والتوتر. وهذا الأمر ليس بجديد. فخلال قرون طويلة كانت الدولتان تنتقلان في علاقتهما بين التعاون والخصام. وحالياً وفي ظل التوترات الدولية المتصاعدة تشهد هذه العلاقات تطوراً واضحاً. لا سيما في الجانب الاقتصادي. وهو ما قد يؤثر على العلاقات التركية الغربية. وتحديد هذا الأثر يتطلب دراسة لطبيعة العلاقات التركية مع كل من روسيا والغرب.

 

ما طبيعة العلاقات الاقتصادية بين تركيا وروسيا؟

بصفة عامة تعد العلاقات الاقتصادية التركية الروسية جيدة. وتشهد تطوراً مستمراً. وحافظت على استقرارها حتى في ظل التوترات السياسية. بل لعبت دوراً في حل الخلافات السياسية. وفيما يتعلق بمؤشرات العلاقات الاقتصادية فالتبادل التجاري بين البلدين يبلغ حالياً 30 مليار دولار. ومن المخطط له أن يصل إلى 100 مليار دولار خلال السنوات القادمة.

كما يميل الميزان التجاري لصالح روسيا. ولكن في ذات الوقت تشهد الصادرات التركية إلى روسيا نمواً واضحاً. فخلال الربع الثالث من العام الحالي بلغت الصادرات التركية إلى روسيا ملياري دولار. بينما بلغت الواردات من روسيا 11 مليار دولار. غالبيتها نفط وغاز.

من الملاحظ ارتفاع حجم الصادرات التركية إلى روسيا من حيث القيمة بنسبة 46% خلال الربع الثالث من العام الحالي. مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي. حيث سعت أنقرة لاستغلال الفجوة التي أحدثتها هجرة الشركات الغربية من روسيا بزيادة  قدرها 642 مليون دولار على أساس سنوي.

ففي شهر يوليو الماضي وحده ارتفعت قيمة الصادرات بنسبة 75% على أساس سنوي. من 417 مليون دولار في 2021م إلى 730 مليون دولار خلال العام الحالي. في زيادة هي الأكبر على الإطلاق بين كل الدول التي تقوم تركيا بالتصدير إليها. لتبلغ حصة روسيا من إجمالي صادرات تركيا 3.9% ارتفاعاً من 2.6% قبل عام.

صحيح أن المبالغ الإجمالية لحجم الصادرات التركية لا تزال صغيرة نسبياً. وتتضاءل أمام وارداتها الكبيرة من روسيا. التي تهيمن عليها الطاقة. إلا أن هذا الحجم “المتصاعد” يكشف عن توطيد العلاقات الروسية التركية. وهو ما أثار حفيظة بعض الدول الغربية التي حذرت تركيا من تطوير علاقاتها مع روسيا. لا سيما في ظل العقوبات الغربية المفروضة عليها.

ما مبررات تركيا لتطوير العلاقات الاقتصادية مع روسيا؟

ترى تركيا أن الأمر اقتصادي بحت. فخسارة عملتها ربع قيمتها مقابل الدولار هذا العام أفضى إلى منتج رخيص نسبياً ساعد في زيادة التصدير. حيث تضاعف حجم التبادل مع روسيا من حيث القيمة بنسبة  13% على أساس سنوي. مقابل زيادة المبيعات إلى الولايات المتحدة بنسبة 25% لتصل إلى 1.32 مليار دولار.

من وجهة نظر استراتيجية ترى تركيا أن علاقاتها مع روسيا أفضل لها من علاقاتها مع الغرب. فخلال العقود السابقة وعلى الرغم من السعي التركي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي إلا أنها لم تنجح في ذلك. كما أن مكاسبها من الناتو تعد منخفضة نسبياً. فهي ومنذ عدة سنوات تحاول استبدال نهجها المتقارب مع الغرب إلى نهج وسطي بين الشرق والغرب.

ما رد الفعل الغربي على التقارب الاقتصادي بين تركيا وروسيا؟

مقابل هذا التقارب الروسي التركي أصدرت بعض العواصم الغربية تحذيرات لأنقرة بأنها قد تواجه خطوات انتقامية إذا قامت بتصريف منتجات روسيا. باعتبار ذلك تهرباً من العقوبات الغربية. خاصةً أن تركيا عضو في الناتو. ولم توقع على العقوبات الغربية. واختارت بدلاً من ذلك اتباع نهج متوازن في تعاملها مع الحرب الروسية الأوكرانية.

 

لكن ما يخفف من حدة تلك التهديدات أن الغرب يرى في تركيا وسيطاً جيداً للمفاوضات مع روسيا. فما كان يجب عليه أن يهدم جميع الجسور مع موسكو. حيث وافق المسؤولون الغربيون على عدم تبني أنقرة الإجراءات العقابية مقابل استخدامها كوسيط للتفاوض. وهو ما اتضح في اتفاقية نقل الحبوب الأوكرانية.

علاوةً على ذلك فالغرب يعترف بدور تركيا كعضو مؤثر في الناتو. ودورها في استضافة أربعة ملايين لاجئ سوري. لذا من الصعب أن نتوقع أي إجراءات عقابية غربية نحو تركيا. ففي حال أي إجراءات عقابية فإن تركيا بإمكانها الرد والضغط على أوروبا. لا سيما أنها تملك عدة أوراق قوة في هذا المجال.

وهنا وفيما يتعلق بالاتفاق الأخير حول نقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر تركيا. فإنه وعلى الرغم من التحفظ الغربي على هذا المشروع. إلا أن أوروبا لا تعارضه بالمطلق فقد يفضي لاستمرار تدفق الغاز إلى أوروبا. وفي ذات الوقت يحقق تطلعات تركيا الاستراتيجية. وهذه التطلعات لا تتعارض مع المصالح الأوروبية.

في النهاية من غير المتوقع أن تتراجع تركيا عن تقاربها الاقتصادي مع روسيا. فهي تسعى لتعزيز حضورها كوسيط دولي موثوق في الصراعات الدولية. كما أن مصالحها الاستراتيجية تقوم على بناء شراكة مع الغرب والشرق. وهو ما يتيح لها الاستثمار التام لموقعها الجيوسياسي.

شَارِك المَقَال