شَارِك المَقَال

سبّبت الحرب في سوريا أسوأ الأزمات بعد الحرب العالمية الثانية على جميع المستويات. فكانت سوريا خلال السنوات الست السابقة أخطر الدول في العالم. ثم جاءت في المرتبة ما قبل الأخيرة عالمياً في 2019 و2020م. والآن وبعد مرور أكثر من عقد على هذه الحرب ما الآثار الاقتصادية للحرب في سوريا؟

 

ما أبرز أسباب التردّي الاقتصاديّ؟

من المؤكد أن طريقة تعاطي النظام السوري مع الاحتجاجات الشعبية. علاوة على ميله إلى استخدام الحل العسكري والاستعانة بحلفاء خارجيين. نتيجة لذلك زاد الضغط على موارد البلاد المحدودة بالأساس. وأدى إلى جانب عوامل أخرى -في مقدمتها الأزمة المالية في لبنان وتفشي جائحة كورونا- لتفاقم المشهد الاقتصادي.

 

بصفة عامة أدت الحرب في سوريا لخسائر اقتصادية فادحة. فانحسرت سبل العيش وتدمرت البنية التحتية وتعطلت الخدمات. وبمقارنة الناتج المحلي الإجمالي الذي كانت ستحققه في حال غياب الحرب فإنها تكبدت أكبر تكلفة اقتصادية ناتجة عن العنف في العالم. بقيمة تقدر بنحو 59% من ناتجها المحلي عام 2020م.

 

من ناحية أخرى هبطت أسعار الليرة السورية لمستويات قياسية. من 50 ليرة للدولار في 2010 لتصل لحدود 5,000 ليرة عام 2021م. ولتستقر لاحقاً بحدود 3,000 ليرة. وتضاعفت أسعار السلع أكثر من 100 ضعف. وفقدت بعضها من السوق. وظهرت أزمات المحروقات والمواد الغذائية. وتعامل المواطنون بعملات أجنبية كالليرة التركية في الشمال السوري والدولار الأمريكي في مناطق النظام.

 

بالإضافة إلى ذلك لجأ النظام السوري في السنوات الأخيرة لزيادة موارده الداخلية. عن طريق رفع الدعم جزئياً عن الخبز والمازوت والبنزين وعدد من المواد الدوائية. ولم تترافق هذه الخطوة مع زيادة الرواتب كما جرت العادة في السابق. وهذا ما ضاعف المعاناة الاقتصادية للسوريين.

 

عجز الموازنة:

بلغ عجز الموازنة وضعاً غير مسبوق من 6.5% في 2010 إلى 35% في 2020م، كما ازداد العجز في موازنة عام 2021م. وذلك مع توسع النظام السوري في الإنفاق وخاصة العسكري. وانخفض الناتج المحلي من 64 مليار دولار في 2010م لنحو 16 مليار دولار في 2020. بسبب تراجع الإنتاج الصناعي بمختلف أقسامه. زيادة على ذلك انخفضت الصادرات من نحو 8 مليارات دولار لنحو 500 مليون. وقد تكون الأرقام دون ذلك بسبب وجود عدة أسعار صرف للدولار في سوريا.

 

علاوة على ذلك انخفضت قيمة مؤشر التنمية البشرية في سوريا بسبب الحرب من 0.644 في 2010م إلى 0.567 في 2020م. مما يضع البلاد في فئة التنمية البشرية المنخفضة. لتحل في المرتبة 151 من أصل 189 دولة عالمياً. هذا إلى جانب ارتفاع معدل البطالة إلى 60:55% مقارنة ب 8.6% في 2010م.

 

وفقاً للأمم المتحدة يحتاج أكثر من 13.4 مليون سوري للمساعدة الإنسانية. فيعيش أكثر من 83% من السوريين تحت خط الفقر مقارنةً بـ28% في 2010م. وبحسب مؤشر الفقر متعدد الأبعاد (MPI) الذي يرصد مؤشرات الصحة والتعليم والاحتياجات الأساسية للأفراد. فإن 38.9% من السكان يعيشون في فقر متعدد الأبعاد.

 

لماذا تعاني مناطق الإدارة الذاتية اقتصادياً؟

بصفة عامة يمكن وصف اقتصاد المناطق الخاضعة لسيطرة الإدارة الذاتية بالاقتصاد البدائي. حيث تمول الموازنة العامة بواسطة مبيعات النفط لحكومة إقليم كردستان والنظام والسكان المحليين. علاوة على ضريبة الدخل ورسومه ورسوم الاستيراد. لكن لا تزال الإدارة قادرةً على تأمين خدمات مستقرة للسكان.

 

في الوقت الحالي تعاني مناطق الإدارة الذاتية من مشاكل في منتجات النفط. نتيجةً للقيود المفروضة على تجارة وتبادل النفط مع حكومة النظام. فهناك نقص في المنتجات النفطية المكررة. الأمر الذي أدى بدوره إلى زيادة حادة في أسعار الوقود. وأثار تظاهرات واحتجاجات في أماكن عدة.

 

من جهة أخرى تزدهر مؤشرات التجارة إلى حد كبير في شمال شرق البلاد. والتي ولّدت دخلاً كبيراً للإدارة الذاتية من الرسوم الجمركية على السلع المستوردة. مثل: إقليم كردستان (المواد الغذائية) ومن المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام (النفط والملابس…..) أو المعارضة (السيارات ومعدات البناء…).

 

وفي الوقت نفسه تفرض الإدارة الذاتية رسوماً بقيمة 5% على السلع الواردة من مناطق المعارضة (عبر منبج). و4% على السلع الآتية من مناطق سيطرة النظام. أما الرسوم المفروضة على السلع الواردة من إقليم كردستان فتتراوح بين 2 و7%. ويعد الرسم الجمركي على الآليات والسيارات هو الأعلى حيث يصل لـ 20%.

 

من ناحية أخرى منذ إنشاء الإدارة الذاتية في شمال وشرق البلاد لم يشهد القطاع الخاص نمواً ملحوظاً في مؤشراته. ولا يزال يستند غالباً على الزراعة وتربية الحيوانات والورش الصغيرة والبناء والتجارة. ومع تدفق النازحين شهد قطاع البناء فورةً كبرى وارتفعت أسعار العقارات إلى حد كبير.

 

مصدر دخل مربح:

ارتفاع أسعار العقارات ونشاط قطاع البناء في مناطق الإدارة الذاتية في السنوات الماضية جاء بالأساس من استقرار البيئة المحيطة. علاوة على تدفق الحوالات من المغتربين إلى أسرهم والزيادة الملحوظة في الطلب على السكن عقب تدفق النازحين داخلياً. ما ساهم في جعل القطاع مصدراً مربحاً للدخل والضرائب.

 

على وجه الخصوص فإن أسعار السلع الرئيسة مثل: القمح والشعير تمثل أزمة كبرى في مناطق لإدارة الذاتية. فمع ارتفاع تكاليف التشغيل يفضّل المنتجون المحليون تصدير منتجاتهم إلى حكومة إقليم كردستان. وهو الأمر الذي يتسبب في نقص هذه المواد بالأسواق المحلية وبالتالي ارتفاع الأسعار.

 

كما ارتفعت أسعار اللحوم والدواجن في شمال شرق البلاد مع ارتفاع معدلات تصدير المواشي إلى كردستان. بالإضافة إلى ازدياد الطلب على اللحوم في العراق وتركيا. مما شجّع مربي الماشية المحليين على تصدير مواشيهم. فحدث نقص في المعروض من اللحوم وارتفعت أسعارها في الأسواق المحلية.

 

في الحقيقة لا يزال القطاع الصناعي صغيراً نسبياً وغير قادر على النمو. فيستند بالأساس للورش الصغيرة وبضع مئات من العمال. ويرجع سبب هذا الركود إلى ميل المواطنين لاستثمار رؤوس أموالهم في المشاريع السريعة والأكثر أمناً. خاصةً مع صعوبة استيراد المواد الخام من الخارج ونقص الحوافز المؤسسية.

 

ما تقييم المستوى الاقتصادي في مناطق المعارضة؟

بصفة عامة قد لا يختلف الشكل الاقتصادي في مناطق المعارضة بشكل جذري عن باقي المناطق السورية. فهو يتقاطع معه بنِسَب كبيرة مع باقي المناطق. لا سيما من ناحية معدلات الفقر والبطالة. ولكن تشهد هذه المناطق بداية تَعافٍ اقتصادي.

 

كما تظهر مؤشرات التعافي الاقتصادي في مناطق سيطرة المعارضة من خلال بدء تعافي قطاع الزراعة والمشاريع الصغيرة. وقد لا تظهر نتائج هذا التعافي بشكل واضح ومباشر. ولكن من المتوقع خلال المدى المتوسط أن تظهر نتائج هذا التعافي على مختلف المؤشرات الاقتصادية وغيرها.

 

في النهاية بالنظر لسوريا كنظرة شاملة يمكن القول بأن آثار الحرب وعلى المستوى الاقتصادي تحتاج لمدة طويلة للتخلص منها. ولكن من الممكن الإسراع بها في حال تحرّك مسار الحل السياسي. وإن كان هذا الأمر مستبعداً في المدى المنظور.

شَارِك المَقَال