شَارِك المَقَال

غالباً ما تسبب الحروب -لا سيما الداخلية منها- تغييرات بنيوية على مختلف الجوانب اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً. وتؤدي هذه التغييرات إلى آثار سلبية حتى بعد انتهاء الحرب. فهي تحتاج لجهود كبيرة لإزالتها.

 

وفيما يتعلق بسوريا فإن الحرب فيها سببت عدة تغييرات اقتصادية. لا سيما في مجال إعادة بناء الثقل الجغرافي للاقتصاد. والسؤال الأهم هنا: ما تأثير الحرب السورية على تغيير جغرافية الثقل الاقتصادي في حلب ودمشق؟

 

ما أهمية حلب ودمشق الاقتصادية؟

لطالما شكّلت دمشق وحلب الثقل الأهم في الاقتصاد السوري. فالأولى هي العاصمة السياسية للدولة والثانية العاصمة الاقتصادية. وهذا الأمر مدعوم بثقل ديمغرافي. فعدد سكان هاتين المحافظتين شكّل أكثر من 41% من عدد سكان سوريا قبل الحرب. إضافة لتركز غالبية رؤوس الأموال فيهما.

 

شكلت المدن الصناعية في مدينتي حلب ودمشق وعلى وجه الخصوص مدينة الشيخ نجار وعدرا الصناعية الوجهة الاستثمارية الأهم للاستثمارات الخارجية الوافدة إلى سوريا قبل الحرب. وهذا الأمر عزز من مكانة المدينتين اقتصادياً. فمدينة حلب لوحدها كانت تساهم بـ 42% من الناتج المحلي الإجمالي لسوريا قبل الحرب.

 

بلغت قيمة الاستثمارات الإجمالية في المدن الصناعية في حلب ودمشق قبل الحرب أكثر من 8 مليارات دولار. وهو ما جعل غالبية العمالة السورية تتركز في هاتين المدينتين. وكل هذه العوامل ساعدت بشكل مباشر على تعاظم الثقل الاقتصادي لهما. وإن كان ثقل مدينة حلب يفوق بشكل واضح ثقل دمشق.

 

كيف أثرت الحرب السورية على أهمية مدينتي حلب ودمشق الاقتصادية؟

في الحقيقة أثرت الحرب السورية بشكل مباشر على اقتصاد حلب ودمشق. وإن كان الأثر أكثر وطأة على حلب. فغالبية رؤوس الأموال هاجرت إلى خارج البلاد وتحديداً إلى تركيا ومصر. كما دُمرت البنية التحتية لاقتصاد هاتين المدينتين بشكل شبه كامل.

 

خلال السنوات الأولى للحرب السورية خسرت حلب ودمشق ثقليهما الاقتصادي. وبعد هدوء حدة المعارك يبدو أن استعادة الثقل الاقتصادي ليس بالأمر السهل. فبعد استعادة النظام لجميع مناطق دمشق وريفها وكامل مدينة حلب وجزء مهم من ريفها سعى لتنشيط الحركة الاقتصادية في هاتين المدينتين إلا أن فاعلية جهوده على الأرض كانت شبه معدومة.

 

إن الواقع الاقتصادي في مدينتي دمشق وحلب في الوقت الراهن بعيد كل البعد عن أن يكون واجهة اقتصادية لسوريا. ومن المستبعد في المدى المنظور التمكن من تحسين هذا الواقع. وذلك في ظل سيطرة أمراء الحرب على مفاصل الاقتصاد السوري. وفي ظل تحول الاقتصاد السوري إلى اقتصاد الحرب.

 

كيف خلقت الحرب مراكز ثقل اقتصادي جديدة؟

في الواقع سببت الحرب السورية أضراراً لمختلف أوجه النشاط الاقتصادي في سوريا. فمختلف مناطق سوريا حالياً يمكن إدراجها ضمن نمطين اقتصاديين واضحين. الاقتصاد الريعي واقتصاد الحرب. ففي مناطق النظام يسيطر نمط اقتصاد الحرب بشكل شبه تام. وفي مناطق شرق الفرات في ظل سيطرة قسد فالاقتصاد الريعي واقتصاد الحرب يظهران معاً بشكل جلي.

 

في ظل الأزمة السياسية والاقتصادية التي ما تزال تعصف بسوريا فإنه من الصعب القول بأن أي منطقة جديدة يمكن وصفها بمركز ثقل اقتصادي. فاقتصاد جميع المناطق متدهور. ولكن وفرة الموارد الطبيعية قد تجعل من منطقة أفضل اقتصادياً مقارنة بأخرى. وهذا ما يلاحظ في مناطق قسد التي تعتمد على النفط السوري في تمويل أنشطتها.

 

في النهاية إن مناطق الشمال السوري وعلى وجه الخصوص مناطق درع الفرات وغصن الزيتون مرشحة لأن تكون مستقبلاً مركز ثقل اقتصادي جديد في سوريا. وذلك في حال تم اتباع منهجية اقتصادية مدروسة للنهوض باقتصاد هذه المناطق.

شَارِك المَقَال



عن المقال


الأكثر قراءة خلال هذا الأسبوع