شَارِك المَقَال

تعتبر الصين العملاق الاقتصادي الأضخم في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية. ومن المتوقع في السنوات القليلة القادمة أن يتربع الاقتصاد الصيني على صدارة العالم. ولهذا نجد الشركات الصينية تغزو العالم أجمع. ولكن هل للصين مصالح في الدول المنكوبة كسوريا؟ وما هي المصالح الصينية في سوريا؟

 

ما الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية لسوريا؟

 

في الحقيقة تعد سوريا من الدول ذات الأهمية الفائقة لا سيما من الناحية الاقتصادية والجيوسياسية. نظراً لموقعها الجغرافي على الساحل الشرقي للبحر المتوسط. بالإضافة إلى موقعها المتوسط بين قارات العالم القديم يجعلها عقدة اقتصادية وتجارية مهمة على مستوى العالم.

 

تشير وقائع التاريخ إلى أن سوريا شهدت تنافساً حاداً بين القوى العالمية التاريخية للسيطرة عليها. وعلى وجه الخصوص الروم والفرس. وفي ذات الوقت نجد أن غالبية الحضارات التي شهدتها سوريا اعتمدت على التجارة. نظراً لموقع البلاد على أهم خطوط التجارة الدولية آنذاك كالفينيقيين والتدمريين وغيرهم.

 

إن الموقع الاستراتيجي لسوريا وأهميتها الاقتصادية جعلها موضع تنافس دولي في العصور القديمة والحديثة. ففي الوقت الحالي وبعد عشر سنوات على بدء الحرب السورية يشهد التنافس الدولي على سوريا تصاعداً مستمراً. ويبدو أن حدة هذا التنافس قد تزداد بعد دخول الصين على ساحة المنافسة من خلال وفودها الرسمية التي تزور البلاد كثيراً.

 

ما أبرز ملامح الاستراتيجية الصينية الاقتصادية؟

 

في الواقع تعتبر الصين من أهم القوى الفاعلة على الساحة الدولية. والمتتبع لمسار الدولة الصينية يلاحظ وبوضوح أن استراتيجية الصين تأخذ بعداً اقتصادياً واضحاً في هيمنتها على العالم. في ظل تراجع سياسي وعسكري واضح.

 

كما أن الصين تملك قوة عسكرية لا يستهان بها إلا أنها نادراً ما تستخدمها أو حتى تلوح باستخدامها. فضلاً عن أنها تسعى لبناء علاقات سياسية متوازنة قدر الإمكان مع مختلف دول العالم. ومن جهة أخرى فإنها تسعى وبقوة إلى الهيمنة الاقتصادية من خلال توغلها السريع في مختلف قارات العالم. فهي تسعى للسيطرة على العالم من البوابة الاقتصادية.

 

يلاحظ التوغل الصيني على مستوى العالم في مختلف المناطق التي لها أهمية استثمارية مستقبلية. ففي إفريقيا مثلاً تستثمر الصين أكثر من تريليون دولار. وفي لبنان تسعى لتمويل إعادة تأهيل مرفأ بيروت والذي يتبلغ تكلفة تأهيله عدة مليارات دولار. ولكن ماذا عن سوريا؟

 

ما الاستراتيجية الصينية الاقتصادية في سوريا؟

 

كان الحضور الاقتصادي الصيني في سوريا في أول خمس سنوات من عمر الحرب السورية متواضعاً. فشدة المعارك وانعدام الاستقرار التام دفع الصين للإحجام عن أي نشاط اقتصادي ذي أهمية. ولكن في السنوات الخمس الماضية ومع بدء انحسار المعارك بدأت الصين بالتوجه نحو سوريا من خلال عدة وسائل.

 

ترى الصين في سوريا فرصة استثمارية متعددة المنافع. فمن جهة تعتبر عملية إعادة الإعمار المرتقبة والتي تقدر تكلفتها بما يقارب نصف تريليون دولار فرصة استثمارية ضخمة للغاية. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الصين لا تنظر لسوريا اقتصادياً من بوابة إعادة الإعمار فقط. بل ترى في إعادة الإعمار خطوة أولى باتجاه تعزيز الحضور الاقتصادي على المدى البعيد في الشرق الأوسط.

 

يشكل المشروع الصيني العملاق “الحزام والطريق” أهم خطة استراتيجية للصين في العالم. كما يشكل هذا المشروع في حال نجاحه الفرصة الكبرى للهيمنة الصينية على العالم من البوابة الاقتصادية. وتشكل سوريا إحدى المحطات المهمة في هذا المشروع. لذلك تسعى الصين لتجهيز بنية تحتية في سوريا تمكنها من لعب دور محطة اقتصادية في هذا المشروع.

 

ما الخطوات الصينية في سوريا؟

 

بدأت الصين بعدة خطوات اقتصادية في سوريا منذ عدة سنوات. وتقسم هذه الخطوات لمرحلتين رئيستين. الأولى على حدود الدولة السورية والثانية داخلها. ففيما يتعلق بالحدود السورية قامت الصين باستثمار ملياري دولار على الحدود الأردنية السورية بهدف تجهيز بنية تحتية للمساهمة بإعادة إعمار البلاد.

 

أما فيما يتعلق بالخطوات داخل الأراضي السورية. لا سيما تلك التي تسيطر عليها قوات النظام السوري. فقد بدأت الصين بالتحضير للاستثمارات من خلال زيارات عدة قام بها مسؤولون صينيون كبار إلى سوريا. آخرها كانت زيارة وزير الخارجية الصيني وتوقيعه عدة اتفاقيات اقتصادية مع حكومة النظام.

 

لا تقتصر الخطوات الصينية على الزيارة الأخيرة. ففي السنوات القليلة الماضية تم تنظيم عدة زيارات ذات طابع اقتصادي إلى سوريا. وفي بعضها تم اللقاء مع رجال أعمال سوريين موالين للنظام. وكل ذلك بهدف توفير شركاء محليين سياسيين واقتصاديين لدعم المشروع الصيني.

 

لفهم الأهداف الصينية في سوريا على حقيقتها لا بد للنظر للمشروع الصيني العملاق من زاوية واسعة. فسوريا في حد ذاتها لا تشكل هدفاً نهائياً للصين. بل هي هدف تكتيكي لتحقيق هدف استراتيجي يتمثل بالهيمنة على الاقتصاد العالمي. فسوريا محطة في المشروع الصيني العملاق.

شَارِك المَقَال