شَارِك المَقَال

 

يَعُود تاريخ #العُمُلات لعِدّة آلاف من السِّنين، ومنذ ذلك الوَقْت شَهِدت العُمُلات تَطوُّرات عَديدة، فبَدَأت ب #النُّقُود_السِّلَعيّة مُرورًا ب #الذَّهَب و #الفِضّة و #النُّقُود_المَعْدنيّة فالعُمُلات الوَرَقيّة #البنكنوت وكان آخِر دَرَجات التَّطوُّر النَّقْديّ #العُمُلات_الإِلكتُرُونيّة، والَّتي بدَأت تَلْقى قَبُولًا نِسْبيًّا، فما هي #العُمْلة_الرَّقْمية وما خصائِصها.

 

تَعُود الجُذُور الأُولَى ل #العُمْلة_الرَّقْميّة إلى العِقْد الأَخير من القَرْن الماضي إِبّان بِدايات #الثَّوْرة_التِّكْنُولوجية والرَّقْميّة، وإن كانت حينها تُشكِّل شَكْلًا من أَشْكال #الخَيال_العِلْميّ، وفي عام 2008م كانت البِداية الفِعْليّة لهذه العُمْلة عن طَريق ورَقة عِلْميّة لشَخْص يُدعَى #ساتوشي_ناكاموتو ليَتبيَّن لاحِقًا أنَّ هذا الاسم افْتِراضيّ لمُختَرِع مَجْهول.

 

لاحِقًا تَمّ الاستِفادة من هذه الوَرَقة العِلْميّة وتَمّ طَرْح أوَّل عُمْلة رَقْميّة في عام 2009م تَحْت مُسمَّى #بيتكوين، وتُساوي هذه الوَحْدة النَّقْدية ما يَزيد عن 13,000 دُولار! وبَدَأت العُمُلات الرَّقْميّة بالتوسُّع والانتِشار وإن بَقيَت البيتكوين أَشْهرها على الأَقلّ حتَّى الوَقْت الحاليّ.

 

تُطرَح أَسْئلة كثيرة مُتعلِّقة بقيمة #العُمْلة_الرَّقْميّة، فمِن أين تَكتسِب قيمَتها وما حَقيقتها؟ وهنا نُوضِّح أنَّ العُمْلة الرَّقْميّة هي شيء افْتِراضيّ ليس له إِسْقاط مادّيّ، أمّا قيمَتها فتَكتسِبها مِن قَبُولِ الأَطْرافِ التُّعامُلَ بها، وتَشتَرِك في هذه الجُزْئيّة مع النُّقُود الوَرَقيّة وإن كان بشَكْلٍ نِسْبيّ.

 

تَمْتاز #النُّقُود_الإِلِكْتُرونيّة بجُمْلة مَزايا أَهَمّها تَكْلفة إِصْدارها الزَّهيدة وتَسْريع عَمَليّات الدَّفْع، إضافةً لعَدَم الحاجة لوَسيط تَحْويل، فتَحْويل الأَمْوال لا يَحتاج لشَرِكات تَحْويل، ولا تَخْضع للحُدُود فيُمكِن تَحْويل الأَمْوال من أيِّ مَكان في العالَم دُون أيّ اعتِبار للحُدُود السّياسيّة أو للقَوانين ذاتِ الصِّلة.

 

تُعاني #النُّقُود_الإِلكتُرونيّة من جُملة مَساوِئ تَتلخَّص في كَوْنها تُعرقِل السّياسات النَّقْديّة والماليّة للبُنُوك المَركزيّة، إِضافةً لكَسْر احتِكار البُنُوك المَرْكزيّة لإِصْدار العُملة، عَدَم حُصُولها لقَبُول عامٍّ، وزيادة عَمَليّات #غَسيل_الأَمْوال وانخِفاض المُتحصَّلات الضَّريبيّة، وتُعتبَر وظيفتها كمَخْزن للقيمة مُنخفِضة نِسْبيًّا، كما أنَّ قيمتها تتأثَّر بشَكْل حادٍّ بقانُون العَرْض والطلَب، فقيمة البتكوين ارْتَفَعت سابِقًا لـ 20,000 دُولار وتَراجَعت لاحِقًا لـ 3,000 دولار.

 

إِنّ قَضيّة العُمُلات الرَّقْميّة ما زالَت حَديثة العَهْد نِسْبيّا، فَعُمْرُها لم يَتَجاوَز العَقْد ونَيِّف، وهذا ما جَعَلها مَوْضِع شَكّ وريبة، إِضافةً لِعَدَم وُضُوح آليّات إِصْدارِها، كما أَنّ الأَسْواق الإلِكْتِرُونيّة الَّتي يَتِمّ تَداوُلها فيها يَكْتَنِفها الغُمُوض، وهذا الغُمُوض في الإِصْدار والتَّداوُل يَضَع أَمامَها جُمْلة مِن التَّساؤُلات الاقْتِصاديّة والشَّرْعيّة.

 

إِنّ قَضيّة الغُمُوض الَّتي تَكْتَنِف العُمُلات الرَّقْميّة زاد مِن مُعَدَّل مَخاطِرِها، كما أَنّ التَّذَبْذُب الحادّ في قيمَتِها والَّذي يَصِل أَحْيانًا لِأَكْثَر مِن 1,000% جَعَل منها اسْتِثْمارًا بالِغ الخُطُورة، كما أَنّ العَوائِد المَرْجُوّة لا تَتَناسَب مع مُعَدَّل المَخاطِر، وهُو ما يُشَكِّل أَحَد أَساسيّات الاسْتِثْمار الاقْتِصاديّ، ففي حال عَدَم تَناسُب العَوائِد مع المُخاطَرة يُمْكِن القَوْل بأَنّ الاسْتِثْمار خاطِئ.

 

يَسْعَى العَديد من الأَفْراد للاسْتِثْمار في العُمُلات الرَّقْميّة لا سيَّما مِن مَحْدُودي ومُتَوَسِّطيّ الدَّخْل، وهذا الأَمْر يَنْطَوي على مُخاطَرة كَبيرة قَد تَنْتَهي بالخَسارة التّامّة، لذلك لا يُنْصَح بِأَيّ اسْتِثْمار فيها، ولَكِن يُمْكِن اسْتِخْدامُها كَبِطاقات دَفْع إِلِكْتِرُونيّ فقط.

 

إِنّ أَيّ عَوائِد تَتَحَقَّق مِن الاسْتِثْمار في العُمُلات الرَّقْميّة لا يُمْكِن وصْفُها بِ #العَوائِد_الاسْتِثْماريّة، فَهي لا تَتَعَدَّى كَوْنَها #ضَرْبة_حَظّ، فالرِّبْح المُحَقَّق في أَحَد الجَوْلات لا بُدّ أَن يُقابِلَه مَرّات عَديدة مِن الخَسارة، فالاسْتِثْمار هنا لا يَقُوم على الخِبْرة الاسْتِثْماريّة والكَفاءة الاقْتِصاديّة بل يَقُوم على الحَظّ فقط.

 

إِنّ الغُمُوض الَّذي يَكْتَنِف قَضيّة العُمُلات الرَّقْميّة أَدَّى لِتَحْريم العَديد مِن دُور الإِفْتاء لِلتَّعامُل بهذه العُمُلات، فهي مَجْهُولة المَصْدَر، وغَيْر مَحْسُوسة، إِضافة لعَدَم وُضُوح الجِهات المَسْؤُولة عن إِصْدارها وتَداوُلها، وهذا ما دَفَع بَعْض دُور الإِفْتاء لِتَحْريم التَّعامُل بها.

 

يَتَّجِه العالَم عُمومًا نحو قَبُول العُمُلات الرَّقْميّة وإنْ كانَ بشَكْلٍ بَطيء، فالعَديد من البُنُوك المَرْكزيّة الأوروبيّة والأمريكيّة تَختبِر حاليًا عُمُلات إِلكتِرُونية من إِصْدارها كاليوان الإِلِكْترونيّ الصّينيّ والمارك الإِلكتُرونيّ الألمانيّ وغيرها من العُمُلات التَّقْليديّة الَّتي بَدَأ يَظْهر لها نَظير إِلكتُرُونيّ.

 

وهنا لا بُدّ من التَّوْضيح أَنّ العُمُلات الرَّقْميّة الصّادِرة من قِبَل البُنُوك المَرْكَزيّة تَخْتَلِف عن تلك المَجْهُولة المَصْدَر كالِبتكوين وغَيْرها، فالأُولَى تُعْتَبَر نَظيرًا حَقيقيًّا للعُمُلات المادّيّة المَوْجُودة، أَمّا الثّانية فلا تَتَعَدَّى كَوْنها إِصْدارات مَجْهُولة المَصْدَر ومُبْهَمة القيمة.

 

تَقْبَل العَديد من الشَّرِكات العالَميّة التَّعامُل بالعُمُلات الإِلكتُرونيّة، إذ بَلَغ عَدَدها حاليًا ما يُقارِب 700 شَرِكة منها “مايكروسوفت” “أمازون” “ديل” وغيرها، ومُؤخَّرًا نَبَّهت #أَزْمة_كُورونا إلى مَزايا النُّقُود الإِلكتُرونيّة كَوْن تَحْويلها لا يَتأثَّر بالقُيُود الاقتِصاديّة، ومن المُتوقَّع أن تَشْهد العُقُود القَليلة القادِمة زيادة في انتِشارها، وقد تُلْغي في المُستقبَل البَعيد النُّقُود الوَرَقيّةَ.

 

إِنّ مُسْتَقْبَل العُمْلة الرَّقْميّة ما زال غامِضًا، فعلى الرَّغْم من شُيُوعها النِّسْبيّ في ظِلّ أَزْمة كُورُونا إلّا أَنَّ هذه الحالة خاصّة ولا تُمَثِّل حالة عامّة، لذلك يُمْكِن القَوْل بأَنّ الغُمُوض سَيَبْقَى قَرين هذه العُمُلات إلى أَن تَزُول عَوامِل الإِبْهام المُحيطة بها كجِهة الإِصْدار وأَسْواق التَّداوُل ومَصْدَر القيمة، وعلى ما يَبْدُو لن يَتِمّ حَلّ هذه الإِشْكالات في المَدَى القَريب المَنْظُور.

 

قد تَحْظَى العُمُلات الرَّقْميّة الحُكُوميّة والَّتي تُعَدّ نَظيرًا للعُمُلات المادّيّة المَوْجُودة بانْتِشار أَكْبَر من البتكوين وأَخَواتها على الأَقَلّ في المَدَى المَنْظُور، ومن غَيْر المُسْتَبْعَد أَن يَتِمّ إِنْشاء أَسْواق ماليّة خاصّة بالعُمُلات الرَّقْميّة الحُكُوميّة، وهذا الأَمْر مَرْهُون بالحاجَة الحَقيقيّة لهذه الخُطْوة، فَفي حال عَدَم الحاجة لَها تَبْقَى خُطْوة فارِغة المَضْمُون اقْتِصاديًّا.

 

شَارِك المَقَال