مشاركة

في صيف عام 1990م استيقظت المنطقة العربية على اجتياح القوات العراقية لدولة الكويت، هذا الحدث غيَّر وَجْه السياسة والاقتصاد معًا، واشتعلت حرب الخليج الثانية، وبدأت معها مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة. الأسباب كانت كثيرة ومتداخلة؛ نزاع حدودي، خلافات سياسية، وحسابات شخصية. لكن في جوهر كل ذلك هناك عنصر واحد لا يمكن تجاهله: النفط، أو كما يسمى “الذهب الأسود”.

 

النفط الذي منح المنطقة ثراءً غير مسبوق، كان في نفس الوقت شرارة لصراعٍ امتدَّ من الخليج إلى العالم بأَسْره؛ حيث تَحوَّل النفط من مصدر للطاقة إلى وقود للنزاع، ومن نعمة اقتصادية إلى ساحة تتصارع فيها المصالح الإقليمية والدولية.  والسؤال الذي يطرح نفسه: هل الثروة نعمة أم نقمة؟

 

هل يمكن أن تتحوَّل الثروة إلى لعنة؟

بسبب الأحداث والصراعات المرتبطة بمصادر الموارد الطبيعية، كثيرًا ما تُثَار أسئلة مهمة: هل يمكن أن تتحوَّل الثروة إلى لعنة تُشعل الحروب بدل أن تُطفئ نار الفقر؟ وهل يمكن أن يصبح الذهب الأسود أو الألماس البرَّاق سببًا لانقسام الشعوب وتمزُّق المنطقة؟

 

أسئلة قديمة في التاريخ الإنساني، لكنّها اليوم أهمّ من أيّ وقتٍ مضى، في عالَم تتسارع فيه الأزمات، وتزداد فيه الفوارق بين الغني والفقير، صارت الثروة في كثير من الأحيان امتحانًا حقيقيًّا لقدرة الشعوب على إدارة خيراتها قبل أن تكون مقياسًا للازدهار.

 

وأصبح واضحًا اليوم أن الثروة ليست دائمًا سببًا للرخاء، بل يمكن أن تكون بابًا للدمار لو غابت العدالة والحكمة عن إدارتها. هذه الفكرة يطرحها كتاب “الموارد الطبيعية والنزاعات المسلحة”، للباحثَيْنِ إيان بانون وبول كولير.

 

الكتاب يتساءل ببساطة: كيف يمكن أن تتحوَّل خيرات الأرض إلى نقمة؟ وكيف تصبح الثروات التي وُجِدَت لبناء الأوطان سببًا في تدميرها؟ من إفريقيا إلى أمريكا اللاتينية، ومن آسيا إلى الشرق الأوسط، تتكرر القصة نفسها بأشكال مختلفة، لكن بعواقب متشابهة.

 

الثروات ليست دائمًا سببًا للرخاء

في سيراليون مثلًا، تحوَّل الألماس الذي يلمع في الأسواق العالمية إلى ما سُمِّي “ألماس الدم”، بعد أن أشعل حربًا أهلية مُدمِّرة في تسعينيات القرن الماضي. كان الألماس يُهرَّب لتمويل الميليشيات، بينما كانت الأمم المتحدة تُصْدِر قرارات تلو الأخرى لمحاولة وقف نزيف الحرب. الأحجار الثمينة التي كانت تُزيّن أعناق الأغنياء، كانت في الحقيقة تُلطِّخ أيدي المُنقِّبين عنها بالدماء.

 

وفي ليبيا، بعد ثورة 2011م، تحوَّلت الثروة النفطية إلى غنيمة تتنازعها الميليشيات المسلحة. والنفط أصبح عنصرًا أساسيًّا في تمويل السلاح بدل أن يبني المدارس والمستشفيات. ولا عجب في ذلك، فحين تفقد الدولة السيطرة على مواردها، يصبح الصراع عليها هو القاعدة لا الاستثناء.

 

أما في الكونغو الديمقراطية، فتبدو المأساة أكثر وضوحًا. بلد غني بالذهب والماس والكوبالت والمعادن النادرة، والتي تُستخدم في صناعة الهواتف والسيارات الكهربائية. لكنّ هذا الثراء كان لعقود سببًا لحروب متتالية، تقودها جماعات مسلحة وشركات أجنبية تبحث عن نصيبها من الكعكة.

 

صراعات على الموارد الطبيعية

تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أن ملايين القتلى سقطوا في الكونغو وغيرها من مناطق الصراعات؛ بسبب صراعات مرتبطة مباشرةً بالموارد الطبيعية.

 

وفي السودان، لعب النفط دورًا رئيسيًّا في الصراع بين الشمال والجنوب قبل انفصال عام 2011. كل طرف يرى أن مَن يملك النفط يملك المستقبل، وانتهت القصة إلى تقسيم السودان، وتضاعفت الأزمات.

 

حتى في كولومبيا، دخلت تجارة الكوكايين والذهب والمناجم غير القانونية في قلب الحرب الأهلية الطويلة، تمامًا كما في ميانمار؛ حيث تحوَّلت الأحجار الكريمة إلى مورد تُموَّل به جماعات التمرُّد.

 

كل هذه الأمثلة تُظهر أن المشكلة ليست في الثروة نفسها، بل فيمن يملكها وكيف تُدار؛ فحين تغيب الشفافية وتضعف المؤسسات، تتحوَّل الموارد إلى ساحة حرب مفتوحة. وحين تتحكَّم فيها النُّخَب الضيّقة أو يتغلغل فيها الفساد، تصبح نقمة بدل أن تكون نعمة.

 

لعنة الموارد

يقول بول كولير في الكتاب: “الثروة يمكن أن تشتري السلاح كما يمكن أن تبني الجسور، والفرق بين الطريقين هو وجود الدولة العادلة”.

 

في غياب المؤسسات القوية، تتحوَّل الثروات إلى لعنة اقتصادية تُعرَف في عِلْم الاقتصاد باسم “لعنة الموارد”؛ أي: أن الدول الغنية بالموارد الطبيعية تنمو أبطأ من الدول الفقيرة بها، والسبب هو الفساد، وسوء الإدارة، وضعف التنويع الاقتصادي.

 

ويضيف الكتاب أن الشركات الكبرى والتجارة العالمية غير العادلة تزيد الطين بلة. فالألماس من سيراليون يُبَاع في أوروبا، والياقوت من مينمار يُزيِّن متاجر آسيا، والنفط من الشرق الأوسط يُغذِّي صناعات العالم، لكنّ الأرباح لا تعود إلى الشعوب، بل إلى حسابات سرّية وتمويل حروب جديدة.

 

في المنطقة العربية يبدو الدرس واضحًا. ففي العراق، تحوَّلت الثروة النفطية إلى سلاح في يد السياسة، فصارت الحقول تُغلَق وتُفتَح وفق ميزان القوة لا وفق احتياجات التنمية.

 

وفي ليبيا، تعرقلت مسيرة بناء الدولة؛ لأن النفط صار جائزة يتنافس عليها المتحاربون.

وفي السودان، لم يكن النفط وحده سبب الانقسام، لكنّه كان الوقود الذي غذَّى الخلافات العميقة.

 

الثروة إذا أُحْسِن استثمارها

هناك وجه آخر للعملة؛ حيث قدَّمت دول الخليج العربي نموذجًا مختلفًا لما يمكن أن تصنعه الثروة إذا أُحْسِن استثمارها. بَنَت مؤسسات قوية، ووضعت خططًا طويلة المدى لتنويع الاقتصاد، واستثمرت في الإنسان.

 

في هذه التجربة تتجلَّى الحكمة التي افتقدتها شعوب أخرى: أن الثروة لا تُقاس بما تملكه من نفط أو ذهب، بل بما تملكه من رؤية وإرادة وعدالة.

 

في النهاية، لا يمكن للثروة وحدها أن تضمن الازدهار، كما لا يمكن للفقر أن يكون واقعًا محتومًا.

الفرق دائمًا تصنعه الطريقة التي تُدَار بها الموارد؛ فحين تُدار بالشفافية تُثمر سلامًا، وحين تُحتكَر بالقوة تُنْبِت صراعًا.

الثروة إذن ليست نعمة أو نقمة في ذاتها، بل هي مرآة تعكس أخلاق الأمم وقدرتها على إدارة ما تحت أيديها.

مشاركة