في الآونة الأخيرة بدأ العالم يتغيَّر بسرعة كبيرة، ومفهوم القوة لم يَعُد عسكريًّا فقط؛ حيث غيَّرت التكنولوجيا شكل الصراع. وأصبح الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية والمعادن الأرضية النادرة هي سلاح اليوم، لذلك يشتدّ التنافس الدولي على هذه التقنيات، فمَن يمتلك التكنولوجيا الحديثة يمتلك القوة.
القصة بدأت من شركة إنفيديا بولاية كاليفورنيا الأمريكية؛ هذه الشركة كانت تُصنّع مُعالِجَات ألعاب بسيطة، وأصبحت تَمتلك كثيرًا من مفاتيح العصر؛ فالرقائق الإلكترونية أصبحت تتحكَّم في كل شيء؛ بدءًا من ChatGPT، إلى أنظمة المراقبة بالمدن الذكية، وحتى الأسلحة العسكرية.
لكن، في عام 2022م، قرَّرت واشنطن فَرْض قيود صارمة على تصدير رقائق إنفيديا إلى الصين؛ بهدف عزل بكين عن سباق الذكاء الاصطناعي. لكنّ الصين، كالعادة، كان لديها ردّ خاص.
ففي شهر سبتمبر/ أيلول من العام الماضي، قررت الصين تقييد استيراد رقائق إنفيديا H20 بحجة “مخاوف أمنية”، بنفس المنطق الذي استخدمته واشنطن. وبخطوات مُوازية، منعت الصين الشركات الصينية الكبرى من شراء رقائق إنفيديا، حتى لو كانت متاحة، وضخَّت المليارات لدعم الصناعة المحلية لشركات علي بابا، وهواوي، وكامبريكون Cambricon.
وبدأت الشركات الصينية تصنيع الرقائق الإلكترونية، حتى إن شركة كامبريكون Cambricon، التي كانت شبه مجهولة قبل سنوات، تَضاعف ربحها بنسبة 4000% ليتجاوز 400 مليون دولار خلال سنة واحدة.
وفي أكتوبر 2025م، أعلنت الصين خطة لمضاعفة إنتاج رقائق الذكاء الاصطناعي ثلاث مرات بحلول 2026م، حتى تصل للاكتفاء الذاتي، وتستغني عن التكنولوجيا الأمريكية. وبالفعل، بدأت الشركات الصينية إنتاج رقائق بديلة، وطوَّرت نماذج ذكاء بموارد أقل.
ومع كلّ خطوة كانت إنفيديا تَخْسر أكثر؛ فبعدما كانت تُحقّق 30% من الأرباح، وما يقارب 5.5 مليار دولار من الصين وحدها؛ أصبحت اليوم محرومة من هذا السوق الكبير. وقد حذّر الرئيس التنفيذي في إنفيديا، بأنّ عزل الصين عن الذكاء الاصطناعي مستحيل؛ لأنها تمتلك أكثر من نصف عدد الباحثين بالعالم، وحرمان الشركات الأمريكية من السوق الصيني يعني خسارة المليارات.
في النهاية، الحصار الذي كان يُفتَرض أنْ يُضْعِف الصين، أسهم في صُنع تنّين تكنولوجي جديد. والشركات الأمريكية التي راهنت على السوق الصيني لعقودٍ، تدفع اليوم ثمن قرارات غير مدروسة، لكنّ المعركة لم تُحْسَم بعدُ، ومَن ينتصر سيقود المستقبل التكنولوجي والاقتصادي، وربما العسكري.