شَارِك المَقَال

في عام 1815، انفجر بركان “تامبورا” في إندونيسيا، مخلّفاً وراءه دماراً هائلاً. لم تقتصر الكارثة على الأرواح التي أُزهقت في الجزيرة، بل امتدت آثارها لتُغيِّر ملامح المناخ في العالم بأَسْره. أطلق البركان كميات ضخمة من الرماد والغازات إلى الغلاف الجوي، ما أدَّى إلى حَجْب أشعة الشمس، وانخفضت درجات الحرارة عالميّاً.

 

ما حدَث لاحقاً عُرف بـ”عام بلا صيف” سنة 1816. ففي أوروبا وأمريكا الشمالية، فشلت المحاصيل، وانتشرت المجاعات، وانهارت أسعار السلع، وارتفعت معدلات الهجرة والفقر. هذه القصة ليست من وحي الخيال، بل هي تذكير صارخ بأن المناخ كان ولا يزال عاملاً محدِّداً لمصير البشرية واقتصاداتها.

 

كيف يضغط المناخ على مفاصل النمو والاستقرار؟

كل فيضان يُغرق طريقاً سريعاً، كلّ موجة حر تُتلِف محصولاً، كل إعصار يُعطّل ميناءً، يعني خسارة تُقدَّر بمليارات الدولارات، وأحياناً أكثر. الاقتصاد العالمي بدأ يشعر بهذه الكلفة، ليس كأثر مُؤجّل، بل كوجع مباشر يضغط على مفاصل النمو والاستقرار.

 

أين تتجلّى هذه الضربات؟

أولاً: في قطاع الأعمال: الشركات باتت تُنفق مبالغ طائلة على تعديل بِنْيتها التحتية لمواكبة الظروف المناخية القاسية، من أنظمة التبريد إلى مقاومة الفيضانات.

ثانياً: في الزراعة: الطقس غير المنتظم دمّر محاصيل كثيرة، ما أدّى إلى نقص في الغذاء، وارتفاع الأسعار، وزيادة الضغوط على سلاسل التوريد.

 

ثالثاً: في الصحة العامة: الحرارة المرتفعة وانتقال الأمراض المناخية أرهقت الأنظمة الصحية، وزادت من أعبائها التشغيلية.

رابعاً: في الأسواق المالية: المستثمرون باتوا أكثر حذراً، والكوارث المتكررة خلقت حالة من عدم اليقين جعلت الثقة تهتز.

خامساً: في الأمن الغذائي والوظيفي: التقلبات المناخية تُؤثّر على سبل العيش لملايين البشر، خصوصاً في الدول النامية.

كل هذا لم يأتِ من فراغ.

 

التقارير الدولية ترسم صورة مقلقة

مكتب الأمم المتحدة للحدّ من مخاطر الكوارث يقول: إن عدد الكوارث قد تضاعَف منذ عام 2000، والخسائر الاقتصادية تضاعفت ثلاث مرات. ووفقاً لتقارير دولية، فإن العالم يخسر أكثر من 200 مليون دولار يومياً بسبب الكوارث المتعلقة بالمناخ والمياه.

 

في الولايات المتحدة، يُقدّر أن ارتفاع مستوى سطح البحر بنحو 6 أقدام سيُغرق منازل بقيمة 900 مليار دولار بحلول عام 2100. كما أن إفريقيا ليست في مأمن؛ صحيفة “الغارديان” نقلت عن تقارير تشير إلى أن خسائرها قد تصل إلى 64 % من ناتجها المحلي بنهاية القرن الجاري.

 

أما مؤسسة “ديلويت” فأطلقت تحذيراً صارخاً: 178 تريليون دولار قد يخسرها الاقتصاد العالمي حتى عام 2070 إذا استمرت درجة الحرارة في الارتفاع بنفس الوتيرة.

 

مخاطر تأخُّر الاستجابة

المشكلة اليوم لم تَعُد في معرفة أن التغيُّر المناخي خطر… بل في تأخُّر الاستجابة. الاقتصاد يتآكل ببطء، والمؤسسات المالية لم تَعُد قادرة على تجاهل الخطر.

 

لكنّ السؤال الأهم: هل يستطيع النظام المالي العالمي أن يتكيَّف قبل أن يسقط؟ التغيُّر المناخي اليوم ليس قضية بيئية، بل تحدٍّ وجودي للأنظمة الاقتصادية في كل دول العالم، غنيّها وفقيرها. وإذا لم نعدّل المسار، فقد يكون القرن الحادي والعشرون هو قرن الانهيارات لا التقدّم.

 

شَارِك المَقَال