مشاركة

عندما يخسر سوق الأسهم الأمريكية تريليون دولار في جلسة واحدة، فهذا ليس مجرد رقم ضخم في تحركات السوق، بل لحظة تَفْرض السؤال الحقيقي: هل نحن أمام بداية تصحيح يُعِيد وَضْع طفرة أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في حجمها الطبيعي، أم أنّ ما جرى مجرد حركة “ارتدادية” سريعة تضخَّمت بفِعْل أنظمة التداول التي أصبحت اليوم أسرع من استيعاب البشر؟

ما حدَث مؤخرًا لم يكن نتيجة صدمة واضحة. لا يوجد بنك انهار، ولا شركة أعلنت مفاجأة كارثية، ولا حدث سياسي قلب التوقُّعات رأسًا على عقب. ما حدَث أقرب إلى انفلات كان يَنتظر شرارة صغيرة؛ فالتقييمات وصلت حدودًا منهكة، والرهان على الكيانات التقنية المرتبطة بثورة الذكاء الاصطناعي تضخَّم بشكل يصعب تبريره، والوعود كانت أكبر بكثير من الأرباح الفعلية. السوق بدا كمَن يركض بسرعة أكبر مما يحتمل، ومع أول اهتزاز -ارتفاع طفيف في عوائد السندات، تأخُّر مُحتمَل في خفض الفائدة، أو نتائج ربحية أقل من المأمول-؛ بدأ التوازن يختلّ.

لكن هنا يدخل العنصر الذي لا يُرَى بالعين: أنظمة التداول السريعة. هذه الأنظمة لا تنتظر تأكيدات، لا تتردَّد، ولا تملك إحساس “التهدئة”. ضغطة بيع صغيرة تتحوَّل داخلها إلى موجة، والموجة تُصبح سيلًا عندما تكون السيولة ضعيفة. وهذا ما ضخَّم المشهد، وجعل يوم الخسارة يبدو كأن السوق يُعِيد كتابة تاريخه، رغم أن جذورها قد تكون مجرد تصحيح طبيعي لاندفاعٍ مُبالَغ فيه.

مع ذلك، لا يمكن تجاهل أنّ موجة الذكاء الاصطناعي نَمَت أسرع من قدرة الاقتصاد على مُلاحقتها. كثير من الشركات قفزت قيمتها اعتمادًا على توقُّعات مستقبلية أكثر من اعتمادها على نتائج ملموسة. لذلك، قد يكون ما جرى بداية “تعديل مسار” طبيعي، يَكْبَح المُبالَغة دون أنْ يُطيح بالثورة التكنولوجية نفسها.

باختصار: لسنا أمام انهيار، لكننا أيضًا لسنا أمام تقلُّب عابر بلا معنى. ما حدَث أشبه بضوء أصفر يُذَكِّر السوق بأنّ الاندفاع يحتاج إلى فرامل من حينٍ لآخر… الأيام المقبلة ستُحدِّد ما إذا كان ما رأيناه مجرد حركة تصحيح… أم بداية استيقاظ طويل.

مشاركة