شَارِك المَقَال

منذ قديم الأزل، تُعدّ مدينة حلب مِن أهمّ المراكز الإقليمية في التجارة الداخلية والخارجية. موقعها الجغرافي جعَل منها نقطة التقاءٍ حيويةٍ بين طُرُق القوافل القادمة من الأناضول والموصل وبيروت، وهي نقطة وصل بين الشرق والغرب، وهو ما رسَّخ مكانتها كمركز اقتصاديّ وسياسيّ لا غِنَى عنه.

 

ولم تكن أسواقها القديمة مثل خان الحرير وخان الجمرك وباب أنطاكية مجرّد أماكن للبيع والشراء، بل كانت محاور تَدُور حولها حركة التجارة الإقليمية. هنا كانت تُنْسَج الأقمشة بأيدٍ سورية، ويُصَدَّر الصابون الحلبي والذهب إلى الخارج، ويُشحَن القطن عبر مرافئ المتوسط نحو أوروبا، بمختلف دولها.

 

كانت مدينة حلب في القرنين السادس عشر والسابع عشر تُشكِّل نموذجاً نادراً لازدهار اقتصاديّ محليّ في قلب الشرق، قائم على الإنتاج والتبادل، لا على الهِبَات أو القروض الخارجية. لكنَّها فقدت الكثير من هذا المَجْد عندما تغيَّرت الخرائط بعد الحرب العالمية الأولى؛ حيث رُسِمَتْ الحدود، وقُطِعَت عنها الموانئ، وبدأ انحسار دَوْرها الاقتصاديّ تدريجياً، دون أن ينقطع تماماً.

 

حلب تعود إلى الواجهة

بعدَ أكثر من قرن، عادت حلب إلى الواجهة، لكنْ بصورة مختلفة. بين عامي 2012 و2016، تحوَّلت إلى واحدة من المدن المنكوبة بسبب سياسات النظام البائد. أسواقها التاريخية احترقت، أحياؤها دُمِّرت، ومَعاملها أُغلقت أو نُهِبَت. لكنْ من بين الركام، والمأزق الاقتصادي السوري، بدأت المدينة تَستعيد أنفاسها كوِجْهَة مُحتمَلة للاستثمار، لا سيما في قطاع الصناعة.

 

منطقة الشيخ نجار الصناعية كانت أول المؤشرات على هذا التحوُّل. رغم الحرب، ورغم التدمير الذي طالها، إلا أنها استعادت بعضاً من نشاطها تدريجياً، ووفق البيانات الحكومية، عادت أكثر من 960 منشأة صناعية للعمل، بينما هناك 100 منشأة أخرى تحت الإنشاء، من بينها مصانع كيميائية ومنشآت غذائية وهندسية ونَسِيجية، ما يَعْكس حجم الإقبال التدريجي على استئناف النشاط الصناعي في المدينة. هذه الأرقام لا تَعْني انتعاشاً اقتصادياً بالمعنى التقليدي، لكنَّها تُمثِّل عودةَ النَّبض إلى قلب صناعي ظلَّ لفترة طويلة ساكناً.

 

أسباب عودة الاستثمارات إلى مدينة حلب

ما يُغري البعض اليوم بالعودة إلى الاستثمار في حلب ليس فقط بِنْيَتها الصناعية السابقة، بل أيضاً انخفاض تكلفة التشغيل. الأيدي العاملة متاحة وغير مُكلِّفة، ما دفَع بعض رجال الأعمال السوريين في الخارج إلى التفكير في العودة بشراكات محدودة أو عبر وكلاء محليين.

 

لكنّ ما جعل الحديث عن الاستثمار في مدن سوريا التجارية مثل حلب ودمشق وغيرها أكثر جدية هو التحوُّل الدولي المفاجئ في النصف الأول من 2025. ففي مايو الماضي، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية ترخيصاً عامّاً يسمح ببعض الاستثمارات في سوريا، لا سيما في قطاع الطاقة. وفي يونيو الماضي، تم الإعلان عن رَفْع العقوبات الأمريكية بشكلٍ شِبْه كامل، وهو ما أعاد رسم ملامح العلاقة بين دمشق والأسواق الدولية.

 

لم تتأخَّر الاستجابة؛ إذ أظهرت بيانات التجارة التركية أنَّ الصادرات إلى سوريا قفزت بنسبة 37% بعد هذه التغييرات، كما بدأت بعض الشركات التركية العمل فعلياً في التبادل التجاري مع سوريا والتعامل مع الطلبات الواردة منها. كما خصَّصت بريطانيا تمويلاً جديداً لدَعْم إعادة الإعمار بقيمة 160 مليون جنيه إسترليني، وبدأت دُوَل أوروبية أخرى تخفيف القيود تدريجياً.

 

معوقات وتحديات

لكنّ هذه الديناميكية لا تخلو من مُخَاطرة. فالبِنْيَة التحتية في حلب لا تزال بحاجة إلى ترميم شامل. إنتاج الكهرباء ما يزال غير كافٍ. البنوك ما تَزال معزولة مالياً؛ بسبب القيود على التحويلات والتمويل الخارجي. كما أن الاستقرار الأمني لا يزال ضعيفاً. يُضاف إلى ذلك واقع اقتصادي مرير، فقرابة 90% من السوريين تحت خط الفقر، والأسواق المحلية تعاني من ضعف القوة الشرائية.

 

وَسط هذا المشهد الضبابي، يرى البعض أن الفرصة كامنة في المجازفة. تماماً كما استثمر البعض في برلين بعد الحرب العالمية الثانية، أو في بيروت بعد اتفاق الطائف؛ فالدخول المُبكِّر إلى حلب اليوم قد يُحقِّق مكاسب مُضاعَفَة في حال استقر الوضع لاحقاً. وتحديداً في قطاع الطاقة؛ حيث تَسعى شركات أمريكية لوضع خطة رئيسية للاستثمار في مجال الطاقة بالتعاون مع الحكومة السورية، ما قد يُشكِّل تحوُّلاً هيكلياً في البِنْيَة الاقتصادية للمدينة خلال السنوات المقبلة.

 

الخلاصة: ما يحدث في حلب الآن ليس انتعاشاً اقتصادياً بقَدْر ما هو اختبار للذاكرة والجرأة. مَن يعرف تاريخ المدينة، يُدرك أنّها تنهض كل مرة. مَن يراهن على مستقبلها، لا يُراهن على ما هو قائم، بل على ما يمكن أن يكون. السؤال لم يَعُد: هل يمكن الاستثمار في حلب؟ بل: من يملك الشجاعة ليبدأ أولاً؟

 

شَارِك المَقَال