في منتصف القرن العشرين، برز نظام اقتصادي عالمي جديد هيمنت عليه القوى الغربية؛ حيث صاغت الولايات المتحدة اتفاقية بريتون وودز عام 1944، لتجعل من الدولار الأمريكي محور النظام النقدي العالمي. ولهذا، ظلت الكلمة العليا للاقتصاد الغربي على مدى عقود طويلة.
بحلول القرن الحادي والعشرين، ظهرت قوى اقتصادية جديدة من آسيا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا، ممثلةً في دول مثل الصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا وروسيا. هذه المجموعة، التي عُرفت لاحقاً باسم “البريكس”، بدأت ككيان رمزي، لكن الأحداث الدولية المتسارعة منحتها الزخم لتصبح نواة نظام عالمي جديد.
في مطلع يناير 2024، انضمت كل من مصر، إثيوبيا، إيران، والإمارات رسميًا إلى تكتل “البريكس”، لتلحق بهم إندونيسيا بعد عام واحد. وبذلك، تحولت المجموعة إلى “بريكس+”. واستطاع التكتل تسجيل نمو اقتصادي بواقع 3.4% في 2025، مدفوعًا بقوة من اقتصادات ناشئة مثل الهند والصين.
واليوم، دول “بريكس+” تضم 45% من سكان العالم، وتُنتج أكثر من 35% من الناتج المحلي الإجمالي العالم. كما قفزت التجارة البينية 56% بين عامي 2017 و2022 لتتجاوز 614 مليار دولار. وبدأت دول المجموعة تتخلص تدريجياً من هيمنة الدولار، إذ أشارت تقارير 2021 إلى أن ربع مبادلاتها التجارية تتم بالفعل بالعملات المحلية.
عزز توسع “البريكس” حصة المجموعة من الموارد الحيوية؛ فأصبحت “بريكس+” مسؤولة عن 43.1% من إنتاج النفط العالمي و44% من احتياطياته، بالإضافة إلى إنتاجها 35.5% من الغاز الطبيعي وامتلاكها أكثر من نصف احتياطياته عالميًا، وهي ضربة قوية لموازين الطاقة التي لطالما كانت أداة للهيمنة الغربية.
نسبياً، نجح تكتل “البريكس” في إعادة تشكيل النظام المالي العالمي وتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي، عبر تأسيس بدائل لمنع احتكار مؤسسات مثل صندوق النقد والبنك الدوليين لرؤوس الأموال.
لكن توجهات دول “البريكس” اختلفت؛ فبينما فضلت الهند والبرازيل الحفاظ على علاقات متوازنة مع الغرب، اتخذت دول أخرى كالصين وروسيا خط المواجهة المباشرة. هذا التباين يضع التكتل أمام تحدٍّ داخلي كبير.
إذاً يتجه النظام العالمي بقوة نحو التعددية القطبية بفضل صعود “البريكس”. لكن يظل التحدي الأكبر هو كيفية تنسيق المصالح بين الدول الأعضاء. مما يطرح سؤالاً: هل ستبقى الهيمنة المالية والسياسية بيد القوى الغربية، أم أن دول الجنوب لديها القدرة على إعادة صياغة قواعد اللعبة وتصحيح مسار النظام العالمي؟