إعلان روسيا عن إصدار سندات حكومية مُقوَّمة باليوان في ديسمبر المقبل، يُشكّل محطة مهمة في مسار الاقتصاد الروسي بعد أكثر من عامين من العقوبات الغربية. هذه الخطوة تأتي في وقتٍ يتزايد فيه عَجْز الميزانية، وتضيق فيه قنوات التمويل بالدولار واليورو، تعكس توجُّهًا ماليًّا باتجاه الشرق؛ حيث أصبحت الصين شريكًا ماليًّا وتجاريًّا رئيسيًّا.
على المستوى المالي، يُمثّل إصدار السندات باليوان محاولة لتعبئة السيولة من العملة الصينية المتراكمة لدى البنوك والمُصدِّرين الروس، نتيجة ارتفاع مبيعات الطاقة إلى الصين. وبذلك، يتم استثمار هذه الأموال في الاقتصاد المحلي، بدل بقائها أموالًا راكدة أو مُعرَّضة لتقلُّبات سعر الصرف. كما يُوفِّر تمويلًا جزئيًّا لعجز الميزانية الذي تجاوز 70 مليار دولار.”
الخطوة تحمل كذلك بُعْدًا أعمق من مجرد تمويل مرحلي. فهي تعكس انتقالًا في موازين القوة المالية نحو الشرق؛ حيث يتقدّم اليوان كعملة بديلة في التسويات التجارية وفي أسواق الدَّين الإقليمية. نجاح موسكو في استقطاب الطلب الآسيوي على هذه السندات سيمنح اليوان دفعة جديدة كعملة تمويل دولية، ويُعزّز نفوذ الصين في النظام المالي العالمي.
يبقى التحدّي الأكبر هو قدرة روسيا على جعل السندات جذَّابة للمستثمرين المحليين والدوليين، مع موازنة العوائد والمخاطر الاقتصادية والسياسية. وقد تتحوَّل هذه السندات إلى أداة منتظمة لجذب سيولة آسيوية، لكنّها تبقى مرتبطة بأسعار الصرف والسياسة المالية الصينية، ما يستدعي إدارة دقيقة وإستراتيجية واضحة للنجاح طويل الأمد.
يمكن القول: إن الإصدار خطوة لمواجهة ضغط المرحلة، لكنّها ليست إعلانًا عن انفصال كامل عن النظام المالي الغربي، بل إشارة إلى أنّ موسكو تمضي في مسار تنويع أدواتها النقدية، وتوسيع خياراتها التمويلية شرقًا. لكنّها أيضًا تُمثّل اختبارًا محدودًا لقدرة الدولار على الاحتفاظ بمكانته كعملة احتياطية عالمية؛ إذ تبدو هذه الخطوة حركة للتكيُّف أكثر منها تهديدًا مباشرًا.