شَارِك المَقَال

لا تزال خطة تركيا الجديدة تؤتي ثمارها للنهوض بالاقتصاد المحلي في إطار اقتصاد السوق الحرّ. فقد شهدت الأيام القليلة الماضية أقوى معدلات صعود لليرة. حيث ارتفعت بما يزيد عن 50 بالمئة بدعم من تدخل الدولة في السوق بمليارات الدولارات. قدَّرته بعض المصادر بنحو ثمانية مليارات دولار في أسبوع. والسؤال هنا: هل تقنع الحكومة التركية مواطنيها بالتخلي عن “الذهب تحت الوسائد”؟

 

كيف تحسنت أسعار صرف الليرة التركية؟

بعدما شهدت الليرة التركية هبوطاً تاريخيّاً أمام العملة الأمريكية “الدولار”. ووصل سعرها إلى 18.4 عقب تخفيضات أسعار الفائدة غير التقليدية. عادت لتصعد مجدداً إثر تصريحات للرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشأن خطة مرتقبة لمكافحة الدولرة. وحماية الودائع بالعملة المحلية من تقلبات الأسواق.

 

على الرغم من الصعود الأخير لليرة والخطة المالية الجديدة. إلا أنه لا تزال العملة التركية تفقد نحو 40% من قيمتها مقابل الدولار حتى الآن خلال العام الجاري (2021م). وبلغ معدل التضخم في البلاد معدلاً سنوياً بنسبة 21٪ في نوفمبر الماضي. وهناك توقعات بأن يرتفع أكثر ما لم تتدخل الحكومة التركية بسياسات علاجية عاجلة.

 

في الواقع هذا يتطلب من الحكومة التركية استمرار السعي للتوصل إلى حلول أكثر حسماً. ولعل المدخرات الفردية من الذهب تعد إحدى الأدوات التي بإمكانها في حال القدرة على دمجها بالدورة الاقتصادية من دعم المؤشرات الاقتصادية. وذلك بالإعلان عن سياسات مالية تحفيزية وزيادة الوعي بأهمية الاستثمار فيه. خاصةً في هذا التوقيت الحرِج بدلاً من ادخاره وإبقائه دون جدوى في المنازل.

 

لماذا تشجع الحكومة التركية على التخلي عن الذهب المخبأ واستثماره؟

في الحقيقة دعا الرئيس أردوغان المواطنين إلى التخلي عن الذهب المخبأ واستثماره بدلاً من تخزينه لدعم خطط النهوض بالاقتصاد. ولذلك عاد مصطلح “الذهب تحت الوسائد” للأضواء. كرمز للذهب الذي يفضل الأتراك ادخاره في بيوتهم بدلاً من إيداعه في المصارف أو استثماره. وهو ما يسبّب خروج كتلة مالية مهمة خارج الدورة الاقتصادية.

 

من جهة أخرى أشارت تصريحات الرئيس التركي أردوغان لنحو 5 آلاف طن (5 مليون كيلو) من الذهب المخبأ “تحت وسائد” المواطنين. بقيمة تقترب من 280 مليار دولار. وهو رقم ضخم للغاية سيحدث فارقاً كبيراً في الاقتصاد. إن حظيت الأدوات المالية الجديدة التي سيتم الإعلان عنها لتشجيع استثمار المدخرات الذهبية- باهتمام المواطنين.

 

ما الفرق بين ادخار الذهب واكتنازه؟

في الواقع “الذهب تحت الوسائد” بوضعه الراهن يضرّ الاقتصاد المحلي بشدّة. فهو شكل من أشكال الاكتناز. وهو مختلف كلياً عن الادخار. فالاكتناز يعني تخزين المال بهدف التخزين. وهو ما يعني أن هذه المبالغ محسوبة على الكتلة المالية التركية. لكنها لا تدخل في الدورة الاقتصادية. فالاقتصاد الكلي والجزئي محروم من عوائد هذه الأموال.

 

من ناحية أخرى فإن دعوات الحكومة والقيادة التركية لاستخراج الذهب من تحت وسائد المواطنين ليست جديدة. وليست رهينة الوضع الاقتصادي الحالي من أزمة الليرة وسعر الفائدة. بل إنها قديمة ومتكررة. فمنذ عام 1996م عَمَدَت الحكومات المتعاقبة على البلاد لتحفيز الأتراك على التخلي عن ادخار الذهب وإدراجه ضمن النظام المالي.

 

كيف شجعت الحكومات التركية على استثمار الذهب؟

في الحقيقة من ضمن آليات التحفيز الرسمية التي استخدمتها الحكومات التركية المتعاقبة زيادة وعي المواطنين بأهمية الاستثمار في المعدن النفيس. وزيادة ضمان صندوق تأمين ودائع الادخار لودائع الذهب. وبيع الذهب للأفراد من خلال البنوك بسعر التكلفة. عن طريق تدشين حسابات مصرفية خاصة بتداول الذهب.

 

في 2020م طوّرت البنوك الحكومية التركية بالتعاون مع “إسطنبول للذهب” نظام استثمار في الذهب. يشجع الأفراد على إخراج مدخراتهم من الذهب وإيداعها في حساباتهم المصرفية. بحيث يستطيع المواطنون تحويل مدخراتهم الذهبية عبر صائغي مجوهرات معتمدين إلى حساباتهم المصرفية. كما يمكنهم سحبها أو تحويلها لنقود في أي وقت.

 

ما حجم احتياط الذهب وتجارته لدى تركيا؟

على المستوى الاقتصادي.. تحتل الحكومة التركية المرتبة الـ ـ12 في قائمة البلدان التي تملك أعلى احتياطات من الذهب. بواقع 512.6 طن (512,600 كيلو). هذا من إجمالي الاحتياط العالمي الذي يتجاوز 35 ألف طن. بحسب آخر البيانات الصادرة عن مجلس الذهب العالمي والمستندة لتقارير صندوق النقد الدولي (IMF) في شهر أغسطس الماضي (2021).

 

بصفة عامة بلغت صادرات تركيا من الذهب خلال العشر سنوات السابقة نحو 52.6 مليار دولار. وبلغت وارداتها في ذات الفترة نحو 107.3 مليارات دولار. أي أن هناك 54.7 مليار دولار من عجز الحساب الجاري ناتج عن معدن الذهب فقط في هذه السنوات الماضية.

 

من ناحية أخرى أكد البنك المركزي التركي تراجع قيمة احتياط الذهب لديه مع نهاية يناير الماضي (2021م) إلى نحو 42.1 مليار دولار. مقابل 43.24 مليار دولار في ديسمبر 2020م. وذلك بسبب توجُّه الحكومة للسحب تدريجياً من هذا الاحتياط لتوفير النقد الأجنبي. وبلغ إجمالي الاحتياط حتى يناير 2021م نحو 547 طناً.

 

“مجلس الذهب العالمي” في بياناته الصادرة في يناير الماضي (2021) عن أحدث تطورات المعدن عالميّاً. أكد أن الحكومة التركية باعت أكثر من 36 طناً (36,000 كيلو) من الذهب منذ نهاية سبتمبر الماضي (2020م). مع ازدياد حاجتها للنقد الأجنبي والهبوط الحاد في سعر صرف الليرة أمام الدولار لمستوى تاريخي غير مسبوق.

 

هل سيستجيب الأتراك لنداءات الحكومة باستثمار الذهب؟

على الرغم من نداءات الحكومة لاستثمار الذهب المخبّأ في منازل الأتراك. والظرف الاقتصادي الحرِج الذي تمر به البلاد منذ أشهر متواصلة. إلا أن الأمر الواقع يؤكد صعوبة استجابة المواطنين لهذه النداءات. لأسباب عدة. منها أن الذهب يعد من أهم وأضمن وسائل الادخار في المجتمع التركي وسط تقلبات السوق المستمرة.

 

بالإضافة إلى ذلك فإن الذهب هو وسيلة الادخار الأكثر تفضيلاً لدى الكثيرين. كما أن الأتراك يستخدمونه اجتماعياً لإبراز التفوق المادي والثراء. ويفضلون اقتناء الحُلي والمشغولات الذهبية وارتدائها في المناسبات وحفلات الزفاف بل والتهادي به. بدلاً من استثمار الذهب بصورته المباشرة أو تحويله لأموال سائلة.

شَارِك المَقَال