شَارِك المَقَال

تعد قضية اعتراف روسيا باستقلال إقليمي دونيتسك ولوغانسك الحدث السياسي الأهم عالمياً الآن. لا سيما أن هذا الأمر قد يؤدي في الأيام المقبلة لتطورات دراماتيكية قد تهدد معها الاستقرار العالمي. والسؤال هنا: ما الأثر الاقتصادي لاعتراف روسيا باستقلال دونيتسك ولوغانسك؟

ما جوهر مشكلة إقليم دونباس؟

تمتلك أوكرانيا موقعاً جغرافياً حيوياً. وهو ما يجعلها باستمرار نقطة تجاذب سياسي وعسكري بين الدول الكبرى. فموقعها على البحر الأسود وتوسطها بين روسيا والاتحاد الأوروبي جعل منها منطقة استراتيجية لمختلف الدول الكبرى. فروسيا ترى فيها حديقة خلفية لها ونطاق أمن استراتيجي. والاتحاد الأوروبي يرى فيها قاعدة متقدمة في مواجهة روسيا.

يمر عبر أوكرانيا 40% من الغاز الروسي باتجاه أوروبا. وهو ما يعادل 124 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً. وهو ما يجعلها من أهم ممرات الطاقة في المنطقة. ويجعل منها منطقة بالغة الأهمية لكل من روسيا وأوروبا. فاستقرار سوق الطاقة في أوروبا واستقرار العوائد في روسيا مرهون بالاستقرار السياسي والأمني في أوكرانيا.

يعد إقليم دونباس والذي تبلغ مساحته 52 ألف كم2. والذي يضم منطقتي دونيتسك ولوغانسك أحد أبرز القضايا العالقة بين روسيا وأوكرانيا. فروسيا تنظر لأوكرانيا ككل على أنها كانت ضمن الاتحاد السوفييتي سابقاً ولها أحقية في أن تدور في الفلك الروسي. بينما يرى الغرب فيها قاعدة متقدمة تحمي الحدود الشرقية للاتحاد الأوروبي من أي تمدّد روسي مستقبلاً.

تحاول موسكو بشكل تدريجي قضم مناطق من أوكرانيا وضمها لها. وهو ما حصل سابقاً مع شبه جزيرة القرم. وحالياً يبدو أن ذات السيناريو سيتكرر مع دونيتسك ولوغانسك. وتظهر أهمية هاتين المنطقتين بسبب موقعهما الاستراتيجي وغناهما بالموارد الطبيعية لا سيما الزراعة والفحم الحجري.

ما أثر الاعتراف الروسي باستقلال دونيتسك ولوغانسك؟

من الناحية القانونية لن يكون للاعتراف الروسي أي أثر يُذكر. فدول قليلة ستتبع موسكو بالاعتراف. لكن الوضع القانوني للدولتين الوليدتين لن يكون له أي إسقاط دولي. لكن هذا الأمر قد يكون مقدمة لضمهما لروسيا. وهو ما يعني استمرار التمدد الروسي غرباً باتجاه الاتحاد الأوروبي.

في حال قررت أوكرانيا حماية دونيتسك ولوغانسك بالقوة ستصطدم بالجيش الروسي المتفوق عليها بشكل واضح. وهو ما قد يعطي موسكو ذريعة لغزو أوكرانيا بالكامل. وهذا السيناريو مستبعَد كونه قد يكون مقدمة لحرب عالمية بين موسكو والغرب. وهو ما لا ترغب به جميع الأطراف.

ما جدوى العقوبات الغربية على موسكو؟

الأثر الأكثر أهمية لقرار الاعتراف الروسي سيكون على المستوى الاقتصادي. فالعقوبات الغربية على موسكو قد بدأت بالفعل. واستهدفت الجهاز المصرفي الروسي ورجال أعمال ونواباً. ومن المتوقع أن تتصاعد هذه العقوبات. وقد تصل لعزل موسكو عن نظام سويفت المصرفي. والذي يشكل صدمة كبيرة للاقتصاد الروسي. لكنه في المقابل قد يؤثر على تدفق الغاز الروسي إلى أوروبا.

قد تكون العقوبات الغربية على موسكو مؤلمة اقتصادياً. لكنها لن تغير شيء على الأرض وهو ما حدث في عقوبات عام 2014 بعد اعتراف موسكو باستقلال القرم. ومن ناحية أخرى لن يتمكن الغرب من فرض عقوبات شديدة القسوة. كون هذه العقوبات ستشل الاقتصاد الروسي. وهو ما قد يدفع موسكو لقطع إمدادات الغاز والذي يعني انتقال الشلل الاقتصادي إلى أوروبا.

فور الإعلان الروسي انخفضت مؤشرات أسواق المال الروسية بنسبة 9%. وارتفع سعر النفط 4% ليصل سعر البرميل إلى 97 دولاراً. وهو ما يهدد بشكل مباشر آمال الانتعاش الاقتصادي العالمي. كما سيعزز من مشكلة التضخم العالمي ويدفعها للمزيد من التعقيد.

 

ما السيناريوهات الممكنة للأزمة؟

من السيناريوهات الممكنة أن تكون القضية فخاً أمريكياً لروسيا لإيجاد ذريعة لمعاقبتها اقتصادياً. وإن كانت احتمالات هذا الأمر منخفضة جداً. وذلك كون روسيا تمتلك أوراق قوة تمكنها من مجابهة العقوبات. فالعقوبات على روسيا ستكون سلاحاً ذا حدين.

في النهاية من المتوقع في الأيام القليلة القادمة أن تزداد الآثار الاقتصادية السلبية نتيجة الاعتراف الروسي باستقلال دونيتسك ولوغانسك. وهذا الأمر مرهون بأيّ تطورات في المسار الدبلوماسي لتهدئة الأوضاع.

شَارِك المَقَال