شَارِك المَقَال

تعد استقالة ليز تراس رئيس وزراء بريطانيا بعد توليها المنصب بـ45 يوماً فقط هي الأسرع في تاريخ المملكة المتحدة. وليس هذا فحسب. بل الأكثر إثارةً للجدل السياسي والاقتصادي في بريطانيا بعد تراجعها عن برنامجها الاقتصادي التي انتخبت على أساسه بعد عشرة أيام فقط!

من خلال تتبع التطورات السياسية في المملكة المتحدة يتضح أن استقالة تراس تعد التغيير الثاني في رئاسة الحكومة خلال العام الحالي. وهي رابع تَنَحٍّ لرئيس حكومة منذ استقالة ديفيد كاميرون في أعقاب تصويت “البريكسيت” التاريخي للبلاد لمغادرة الاتحاد الأوروبي في عام 2016م.

 

ما أسباب الاستقالة السريعة؟

تعود استقالة تراس لعدة أسباب متنوعة. لكن يعد السبب الاقتصادي أبرز هذه الأسباب. وتحديداً برنامجها الاقتصادي الذي طرحته قبيل توليها رئاسة الحكومة. والذي يعتمد على خفض الضرائب وتحقيق نمو سريع. وهو برنامج أدركت ليز صعوبة تنفيذه بعد فشلها في إقناع مؤيديها به قبل معارضيها.

البرنامج انتقده العديد من الاقتصاديين. الذين يرون أن بريطانيا مثلها مثل العديد من دول العالم لديها مشكلات اقتصادية قائمة على خليط من التضخم والركود. وعلاجهما معاً يحتاج إلى حكمة وحلول صعبة تفتقرها السيدة تراس التي فضلت الحلول السهلة بخفض الضرائب على الأثرياء والشركات الكبرى.

كانت خطة تراس تهدف إلى تشجيع الاستثمار. ومن ثم توظيف العمال والفقراء وبالتالي يستفيد الجميع. لكن النقاد اعتبروا الفكرة ساذجةً وغير مجدية لأن خفض الضرائب يعني انخفاض دخل الحكومة نفسها. وهو ما قد يحفّز التضخم في البلاد وقد يفرض على الحكومة الاتجاه نحو الاقتراض.

وحتى في حالة الرغبة بتشجيع الاستثمار عن طريق خفض الضرائب. فلا بد من إيجاد بديل للدخل الحكومي المفقود نتيجة انخفاض الضرائب. والبديل في خطة تراس كان تقليل الدعم ورفع أسعار البنزين وأسعار الجمارك على بعض السلع. وهو أمر صعب وسط انعدام أمن الطاقة وتفاقم أزمة غلاء المعيشة.

الأمر الآخر أن خفض الضرائب يعني زيادة السيولة في الأسواق. ومن ثم زيادة التضخم وارتفاع الأسعار. وبالتالي الاتجاه نحو ارتفاع جديد في أسعار الفائدة ومن ثم زيادة الركود. وهي المشكلة التي تسعى الحكومة البريطانية لمحاربتها في الأساس.

 

ما تداعيات استقالة ليز تروس؟

إن الاستقالات المتكررة في بريطانيا تعزز من واقع التذبذب السياسي في البلاد. وهو ما سينعكس حتماً على الواقع السياسي. وهي دليل واضح على تراجع المملكة المتحدة عن مكانتها كدولة عظمى. كما ستكرس الانقسام السياسي داخل الأحزاب البريطانية. وستؤدي إلى عدم وجود سياسة اقتصادية واضحة لمواجهة الواقع الاقتصادي الحالي.

 

لماذا وصلت بريطانيا لتلك النقطة؟

أدى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. إلى جانب تبنيها لسياسات انعزالية. إلى عدم قدرتها على الحفاظ على موطئ قدم دولي لها خلال هذه الفترة من الاضطرابات العالمية. كصعود اليمين في أوروبا وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية. وصعود خصوم جيوسياسيين أقوياء مثل روسيا والصين.

ونتيجةً لتضاؤل نفوذها الدولي باستمرار فإن أي محاولة من الحكومة البريطانية لممارسة قيادتها تبدو صعبةً للغاية. كما هو الحال حالياً. فقيادة العمل الغربي لمواجهة الغزو الروسي لأوكرانيا أبعدها كثيراً عن التركيز في مشكلاتها الداخلية.

 

كيف تخرج بريطانيا من أزمتها؟

لا يمكن أن نطلق على ما يحدث في بريطانيا حالياً سقوطاً أو انهياراً. لكنه مجرد تراجُع عن مكانتها كدولة عظمى. هذا أقصى ما يمكن أن تُوصف به الحالة البريطانية. ونتوقع أن الأمور ستعود إلى طبيعتها مع قيام الأحزاب السياسية بإشراك الجمهور في مناقشات حول العلاقات مع الاتحاد الأوروبي.

وكذلك ترتيب علاقتها التجارية مع أيرلندا. والنظر في استراتيجيات إعادة دخول السوق الموحدة. وهو أمرٌ من المتوقع أن يحدث قريباً. عقب الإعلان عن تولي ريشي سوناك رئاسة الحكومة البريطانية. ونجاحه في مهمته الجديدة يعتمد بشكل رئيس على قدرته على تحقيق نتائج اقتصادية ملموسة.

يُشكّل الوضع الاقتصادي العامل الأهم في تقييم نجاح أو فشل رئيس الحكومة الجديد. ونجاحه الاقتصادي سيقود لإعادة حضور بريطانيا في الملفات الدولية الكبرى. وفشله قد يسبّب تكريساً للأزمات الاقتصادية الحالية ومزيداً من العزلة الدولية. والأيام المقبلة كفيلة بتوضيح مدى نجاح رئيس الوزراء الجديد.

 

شَارِك المَقَال



عن المقال


الأكثر قراءة خلال هذا الأسبوع