شَارِك المَقَال

 

تشكل الانتخابات البرلمانية المغربية الأخيرة حدثاً سياسياً مهماً على المستوى السياسي الداخلي في المملكة. فقد أفضت لخسارة قاسية لحزب العدالة والتنمية المغربي. فحصد 12 مقعداً بعدما كان قد حصل على أغلبية في انتخابات 2016م بلغت 125 مقعداً. والأسئلة المثارة هنا: ما الأسباب الحقيقية لهذه الخسارة القاسية؟ وما دلالات نتائج الانتخابات البرلمانية المغربية؟

 

ما موقع الانتخابات المغربية بين الداخل والخارج؟

بصفة عامة لتفسير نتائج الانتخابات المغربية الحالية لا بد من البحث داخلياً وخارجياً. فعلى المستوى الخارجي قد تبدو قضية التطبيع أكثر القضايا ظهوراً. ولكن هل يمكن البناء على التطبيع لتفسير هذه النتائج؟

 

تعاني المنطقة العربية بشكل عام ومنها المغرب من تراجع في مختلف المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية. وفي ظل هذه المؤشرات المتراجعة يتراجع مستوى اهتمام الأفراد بالسياسة مقابل الانشغال بدرجة أكبر بالجانب الاقتصادي.

 

تشكل القضية الفلسطينية قضية وجدانية لغالبية العرب والمسلمين. لكنها في ظل الفقر والبطالة والتَردّي الاقتصادي تبقى هذه القضية في الإطار الوجداني ولا تتحول لإطار سياسي. فلا يمكن التوقع من أي فرد التضامن مع أي قضية خارجية في ظل فقره وجوعه وتردّي خدماته الأساسية وفي ظل غياب العدالة والمساواة.

 

في الحقيقة عند التدقيق بالواقع الاقتصادي المغربي نجد بوضوح أن حزب العدالة والتنمية المغربي فشل في تحقيق الوعود الاقتصادية والاجتماعية التي تبناها منذ استلامه الحكومة في عام 2011م. فقد قدم الحزب جملة وعود فشل في تحقيق قسم كبير منها.

 

هل الإخفاقات الاقتصادية مدخل للإخفاق الانتخابي؟

تدل الإحصاءات على أن حزب العدالة والتنمية حقق بعض النجاح الاقتصادي لا سيما في تقليل عجز الموازنة. ولكن كيف تم تحقيق تخفيض عجز الموازنة. في الحقيقة تم تخفيض عجز الموازنة من خلال رفع الدعم عن بعض السلع الرئيسة كالوقود. وهو ما سبب تضرر الفئات الفقيرة في المجتمع المغربي.

 

تدل بعض المؤشرات الاقتصادية على أن مؤشرات الزراعة والصناعة في تراجع مقابل تطور قطاع الخدمات. وهو ما سبّب ضغطاً اقتصادياً. كما عارضت الحكومة مطالب عديدة للطبقة المتوسطة فرفضت رفع الحد الأدنى المعفى من الضرائب. وفي مجال التعليم رفضت الحكومة خصم تكاليف التعليم من الضريبة على الدخل.

 

قامت حكومة العدالة والتنمية بزيادة الإنفاق على قطاعات خدمية. لكن هذه الزيادة في الإنفاق لم تنعكس إيجاباً على الأفراد. فتم زيادة الإنفاق على الصحة إلا أن المريض قد يضطر للانتظار 4 شهور قبل حصوله على سرير في المشافي الحكومية.

 

كما تم تخصيص مليار دولار لدعم الزراعة والصيد البحري. إلا أن 22% فقط من الصيادين استفادوا من هذا الدعم. كما وعدت الحكومة بناء 13 سداً لمواجهة نقص مياه الري والشرب لكنها لم تنجز إلا 3 سدود فقط.

 

وعدت حكومة العدالة والتنمية المغربية منذ نجاحها في الانتخابات عام 2011م بمكافحة الفساد. إلا أن ترتيب المغرب وفقاً لمؤشر مدركات الفساد مازال في المركز 90 عالمياً دون أي تغيير حقيقي. كما تقول الدراسات الاجتماعية بأن 43% من المغاربة دفعوا رشاوى داخل المحاكم.

 

نشر المعهد المغربي لتحليل السياسات دراسة في عام 2019م دراسة أوضح فيها أن 23% فقط من المغاربة يثقون بالحكومة. وأعرب 69% من السكان عن قلقهم من مستقبل اقتصاد البلاد. واعتقد 74% منهم بعدم جدية الحكومة في مكافحة الفساد. فكل هذه المؤشرات تدل على أن حزب العدالة والتنمية المغربي في طريقه للخسارة.

 

هل يعتبر التوجه الإسلامي طوق نجاة للحزب؟

في الواقع لا يمكن أن نتوقع بأن التوجه الإسلامي للأحزاب من شأنه ضمان النجاح السياسي. فالناس ينتخبون من يحقق لهم تنمية حقيقية ويدعمهم اقتصادياً واجتماعياً. ولا يدعمون المتدين الذي يفشل في تقديم أي دعم ملموس. فالحكم في النجاح هو القدرة على الإنجاز.

 

يعتبر حزب العدالة والتنمية التركي مثالاً واضحاً على قدرة الإنجاز على الحفاظ على النجاح السياسي. فالحزب يعتبر إسلامي الأصول والتوجه. لكنه يستعين بإنجازاته الاقتصادية والخدماتية في النجاح السياسي وليس على توجهه الديني. فالحزب وخلال العقدين السابقين نجح في دعم الاقتصاد التركي ودعم مختلف المؤشرات الاقتصادية والعمرانية واستقطاب الاستثمارات الخارجية.

 

في الحقيقة تعاني العديد من الدول العربية والإسلامية من أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية. وفي ظل هذه الأزمات تشكل نزاهة الصندوق الانتخابي طوق النجاة الحقيقي لهذه الدول. فالانتخابات النزيهة من شأنها إيصال الأكفأ للحكم. وهو الخطوة الأولى في طريق الإصلاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.

 

وضوح الانتخابات الأخيرة في المغرب يؤشر إلى تعافٍ سياسي في هذا البلد. ومما لا شك به أن التعافي السياسي من شأنه أن يقود لاحقاً لتعافٍ اقتصادي واجتماعي. فغالبية الأزمات التي تعصف بالدول لها جذور سياسية. فعندما تصلح السياسة تصلح معها مختلف المؤشرات.

 

 

شعارات دينية وسياسية لكسب ثقة الناخبين

بصفة عامة يلاحظ في المنطقة العربية تمترس العديد من الأحزاب الأيديولوجية خلف شعارات دينية وسياسية تسعى من خلالها لكسب ثقة الناخبين. إلا أنه وبعد فترة من وصول هذه الأحزاب للسلطة تسقط في امتحان إنجاز الوعود الانتخابية. فالشعوب قد تقتنع بالشعارات في المرحلة الأولى. ولكن لا بد لهذه الشعارات من إنجاز على الأرض.

 

عانت الحركات الإسلامية السياسية في المنطقة العربية من عقود من القمع والملاحقة. وبعد ثورات الربيع العربي امتلكت هذه الحركات بعض الحرية السياسية ووصل بعضها للسلطة كحزب العدالة والتنمية المغربي. إلا أن بعض هذه الأحزاب لم يتمكن من الخروج من عباءة الشعارات والوعود. فلم تتمكن من إحداث تغييرات جذرية في واقع المجتمعات التي انتخبتها.

 

لا بد للأحزاب سواء أكانت إسلامية أو يسارية أن تعترف في حال هزيمتها بأنها هزيمتها نتيجة حتمية لفشلها في تحقيق إنجاز حقيقي. فهذا الاعتراف يشكل الخطوة الأولى في الإصلاح الداخلي في هذه الأحزاب. أما إن أصرت على نكران التقصير والسعي للبحث عن أسباب خارجية للفشل فمن شأنه تكرار ذات التجارب الفاشلة مستقبلاً.

 

الشعوب متدينة بالفطرة لكنها لن تنتخب الأحزاب الإسلامية التي لا تتمكن من تقديم مكاسب حقيقية لها. وتجربة حزب العدالة والتنمية المغربي خير دليل. فالشعوب العربية منهكة بالفقر والبطالة والأزمات. وتحتاج بشكل مُلِح لمن يُخرجها من هذه الأزمات.

 

في الواقع تقارن الشعوب العربية نفسها بالدول الإسلامية غير العربية كتركيا وماليزيا والتي تمكنت من تحقيق معدلات جيدة من التنمية. وهو ما يحث هذه الشعوب على إسقاط أي حزب أو حركة سياسية لا تستطيع تقديم شيء يجعل هذه الدول تقترب من أقرانها.

 

إيجابيات نتائج الانتخابات

إيجابيات كثيرة يمكن أن تُقرأ في نتائج هذه الانتخابات. أبرزها نزاهة الصندوق وعدم استئثار الإسلاميين بالحكم وامتثالهم لنتائج الصندوق. لكن الدرس الأبرز أن الشارع يبقى الحَكم والفيصل في حكمه على نتائج أعمال أي حكومة. ناهيك أن الحكومة المقصرة لن تجد نفسها في موقع القرار إن لم تقدم خدمات حقيقية ترضي الشارع.

 

تخطئ الكثير من الأحزاب في رفع شعارات انتخابية ووعود بسقوف مرتفعة. طبعاً جزء من هذه الوعود أحياناً يأتي نتيجة غياب الخبرة التراكمية في العمل السياسي. بسبب غياب هذه الأحزاب لسنوات إما في المنافي أو السجون. ولأغراض النجاح الانتخابي تلجأ هذه الأحزاب لسقف مرتفع لا تستطيع تحقيقه عند استلام الحكم. فتصدم الشارع بنتائج أعمالها.

 

من النتائج المهمة لهذه الانتخابات أيضاً: أنها تتضمّن رسالة واضحة من شعوب المنطقة. تتمثل في أنها لن تنتخب أو تدافع أو تقف خلف من يرفع شعار المظلومية. فحاجات الشعوب أهم. من يستطيع توفيرها سيربح الصوت الانتخابي. ومن يفشل سيجد نفسه خارج المعادلة ليترك المكان لمن يستطيع أن يخدم الناس.

 

في النهاية لا بد من التأكيد على أن العوامل الخارجية قد تؤثر في مستقبل الأحزاب السياسية. ولكن يبقى للواقع الداخلي الكلمة الفصل في هذا المجال. فأي حزب يرغب بضمان مستقبل سياسي له لا بد من إقناع الناخبين بانتخابه استناداً على إنجازاته على أرض الواقع وليس بالوعود.

 

شَارِك المَقَال



عن المقال


الأكثر قراءة خلال هذا الأسبوع