شَارِك المَقَال

أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية أهمية سوق الطاقة العالمي ودوره في رسم التحالفات الاستراتيجية. وأظهرت دوره كورقة ضغط عالية الفاعلية على الدول المصدرة والمستوردة. فالغاز الروسي يشكل عامل ضغط على أوروبا ويشكل تهديداً لمستقبل الاقتصاد الروسي في حال تم الاستغناء عنه. وهو ما يدفع العديد من الدول للبحث عن بدائل له. وحالياً يكثر الحديث عن الغاز الإسرائيلي كبديل للروسي. فما جدوى هذا الطرح؟ والسؤال هنا: هل يشكل الغاز الإسرائيلي بديلاً للغاز الروسي؟

 

 

هل الغاز الروسي حاجة اقتصادية أم ورقة ضغط سياسي؟

يشكل الغاز الروسي إحدى أبرز نقاط الضغط والجدل التي أثارتها الحرب الروسية الأوكرانية. فروسيا إحدى أهم مصدّري الغاز في العالم. وتعد المغذّي الرئيس لأوروبا. فالأخيرة تعتمد على الغاز الروسي بنسبة 40%. ولذلك فالعقوبات الغربية لم تطل قطاع الغاز كون أي تضرر في هذا القطاع سينعكس سلباً على الاقتصاد الأوروبي.

 

في ذات الوقت تشكل إيرادات الغاز إحدى أهم مصادر الإيرادات الروسية. فالتصدير لأوروبا يوفر للحكومة الروسية ما يقارب 85 مليار دولار سنوياً. وبالتأكيد فإن روسيا غير مستعدة لخسارة هذا المورد. لا سيما أن اقتصادها يمكن وصفه بالريعي الذي يعتمد بدرجة لا بأس بها على تصدير المواد الأولية.

 

إن اختلاف التوجه السياسي والأيديولوجي لأوروبا وروسيا جعل من قضية الغاز نقطة تجاذب سياسي. وهو ما دفع العديد من الأطراف الإقليمية والدولية لاستثمار هذا الواقع. وهنا ظهرت فكرة الغاز الإسرائيلي كبديل محتمل للروسي. وهذا الأمر دونه تحديات عدة.

 

 

من المستفيد والمتضرر من فكرة الغاز الإسرائيلي؟

من الطبيعي أن يكون لكل مشروع دولي مستفيدون ومتضررون. والمستفيدون المؤكدون في هذا المشروع هم إسرائيل وأوروبا. فأوروبا ستتخلص من ارتهانها للغاز الروسي. وإسرائيل ستتمكن من تسويق غازها. ومن ثَم تصبح لاعباً رئيساً في سوق الطاقة العالمي. والمتضرر المؤكد هي روسيا التي ستخسر سوقاً مستقرة ومنتظمة.

 

لا تقتصر قائمة المستفيدين والمتضررين على الأطراف الثلاث السابقة. بل تشمل أطرافاً عدة. ولكن طبيعة استفادتها أو تضررها مرهونة بسيناريوهات المشروع المحتملة. فتغير أي سيناريو من شأنه تحويل دولة من مستفيد لمتضرر والعكس صحيح.

 

يقوم أحد سيناريوهات المشروع على مد خط للغاز تحت البحر من إسرائيل مروراً بقبرص فاليونان ومنها إلى إيطاليا. بهدف ربط الغاز بالشبكة الأوروبية. وهذا السيناريو يخدم قبرص بالدرجة الأولى. لكنه يعد تحطيماً لآمال تركيا بأن تغدو مركزاً دولياً لتوزيع الغاز في قارات العالم القديم. ولهذا فهي تسعى للشراكة مع إسرائيل في هذا المشروع.

 

السيناريو الثاني للمشروع يقوم على مد خطوط برية أو بحرية بين إسرائيل وتركيا ومنها إلى أوروبا. وهنا تكون تركيا مستفيداً مباشراً. لا سيما أنها في هذه الحالة بإمكانها استقبال الغاز الإيراني وربما القطري. وهو ما يشكل دعماً لمشروعها الاستراتيجي في مجال الطاقة وتوزيعها.

 

 

ما عقبات تنفيذ المشروع؟

من المتوقع أن يواجه سيناريوها المشروع جملة من العقبات. فسيناريو الخط المارّ عبر قبرص من خلال البحر قد يمر بالمياه الاقتصادية لتركيا. وهنا قد تعارضه تركيا كونه يتعارض مع مشروعها الاستراتيجي. كما أن غالبية دول شرقي المتوسط لم ترسم حتى الآن حدودها البحرية. فمن المتعذر تحديد وجهة سير محددة ودقيقة للمشروع بما ينسجم مع توجهات الدول السياسية.

 

فيما يتعلق بسيناريو خط المشروع عبر تركيا فهناك سيناريوهان فرعيان. الأول أن تستفيد إسرائيل من خط الغاز العربي المارّ عبر سوريا. والذي تم إنجازه حتى مدينة حمص. وهذا الأمر دونه عقبات عدة كونه من المستبعد أن توافق حكومة النظام السوري عليه.

 

السيناريو الفرعي الثاني أن يتم مد خط غاز بحري بين إسرائيل وتركيا. وهذا يعني أن الخط سيمر بالمياه الاقتصادية لكل من لبنان وسوريا. وموافقة هاتين الدولتين يعد أمراً مستبعداً ما لم يتم في إطار تفاهم إقليمي ودولي.

 

من المستبعد نجاح فكرة مرور خط الغاز الإسرائيلي عبر سوريا. فروسيا حليف استراتيجي للنظام السوري. ولن يفرط النظام بتحالفه معها مقابل عوائد اقتصادية. ولكن من الممكن نجاح هذا المشروع في حال توقيع اتفاقية سلام سورية إسرائيلية. إضافة لتفاهم دولي حول المشروع بحيث تحصل روسيا على ضمانات أوروبية بأن حصتها من السوق الأوروبية لن تتأثر. وهذا الأمر يبدو حالياً صعب المنال.

 

 

ما الجدوى الاقتصادية للمشروع الإسرائيلي؟

بإمكان إسرائيل توفير 10 مليارات متر مكعب من الغاز سنوياً لأوروبا. وهذا الرقم بعيد للغاية عن مساهمة روسيا. فروسيا تزوّد أوروبا بـ 155 مليار متر مكعب سنوياً. فالغاز الإسرائيلي لا يغطّي إلا 4% من حصة روسيا. فهو لا يمكن أن يكون بديلاً للروسي. وهذا يعني أن أوروبا لن تتجه لدعم المشروع.

 

فيما يتعلق بالتكاليف الاقتصادية للمشروع. ففي حال تم الاتجاه نحو خط بحري عبر قبرص. وهو ما يعرف بخط “ميد إيست”. والذي تقدر تكلفته بـ 6 مليارات يورو. وهذه التكلفة المرتفعة نسبياً قد تنعكس على تكلفة الغاز. وهو ما يقلل من الجدوى الاقتصادية بالنسبة للمشروع. إضافة لكون الغاز الإسرائيلي يعد ذا تكلفة استخراج مرتفعة أساساً.

 

عموماً تبدو فرص نجاح المشروع الإسرائيلي منخفضة نسبياً. فالجدوى الاقتصادية غير مؤكدة. وهو ما انعكس على الدعم الأمريكي له. وهنا يعد الغاز القطري في حال انضمامه للمشروع كفة راجحة له. ولكن دونه عقبات أيضاً. من أهمها عدم وجود بنية تحتية قطرية لتصدير الغاز الطبيعي. فقطر تعتمد على تسييل الغاز ونقله عبر الناقلات.

 

تبدو خطوط الطاقة العامل الأهم في رسم تحالفات الدول الاستراتيجية. ومن المتوقع أن يزداد دورها وأهميتها مستقبلاً. فوفقاً للواقع الحالي لم تعد الأهمية محصورة بمصادر الطاقة. بل تعدّتها لتشمل أيضاً خطوط نقلها. وهذا الأمر قد يُغيّر في المستقبل القريب خارطة العالم الاستراتيجية.

شَارِك المَقَال